لماذا لا توجد أحرف أبجدية كوردية خاصة بالشعب الكوردي؟

29-08-2025
جمال الدين حمي
الكلمات الدالة اللغة الكوردية أبجدية
A+ A-

اللغة كائن حي كما يصفه المختصون في علوم اللغات، واللغة هي وسيلة مهمة للغاية من وسائل التعبير عمَّا يجول في خواطرنا، وكذلك هي غاية في الأهمية من أجل التواصل اليومي مع الناس من حولنا، وبدون وسيلة اللغة التي تسهل علينا عملية التواصل فيما بيننا، سنكون وقتها كالخرسان، وسنتواصل مع بعضنا البعض حينئذٍ بالإشارة، مما سيُصعِّب هذا علينا الحياة كثيرًا، لذا فإن عامل اللغة والنطق بها هي نعمة كبيرة أنعم الله بها علينا كبشر، بأن جعلنا ناطقين، وبهذا ميَّزنا الباري جلَّ وعلا عن الدواب والبهائم، فلله الحمد والشكر.
 
واللغة هي من أهم ركائز تكوين وتشكيل الهوية القومية لكل قومية من القوميات المنتشرة حول العالم على حِدَةٍ، وبدون امتلاكك لمفاتيح اللغة الخاصة بالقومية التي تنتمي إليها وعدم تحدثك بها وعدم إجادتك لها، سيفقدك هذا الكثير الكثير من انتمائك لهذه القومية.
 
واللغة هي آية من آيات الله الباهرة والدالة على عظمة الله وإبداعه في هذا الكون، واللغة خلق من مخلوقات الله تعالى، والآية هي الشيء الذي لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله، ولا أحد يستطيع ابتكار لغة أو اختراع لغة من عند نفسه وإيجادها من العدم، ومن اعتقد أنه قادر على ذلك، فاعتقاده فاسد وما قدر الله حق قدره، لأن اللغة هي معجزة ربَّانية وخلق ربَّاني غاية في الإعجاز والإبداع، شأنها كشأن خلق السموات والأرض تمامًا، ودليلنا في هذا قول الله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ) 22 الروم، فكما تلاحظون هنا أن الله تعالى بيَّن لنا أن اللغة ولون البشرة إنما هما خلقٌ خلقهما الله تعالى، وخَلقُهُما كخلق السموات والأرض تمامًا، أي أنَّ اللغة مخلوقة، ولون البشرة مخلوق، والسماء مخلوقة والأرض مخلوقة وكلها خلقٌ خلقهم الله تعالى.
 
ومن يحاولون اليوم الطعن باللغة الكوردية، وينكرون أساسًا وجود لغة كوردية، ويشككون فيها ويشنون الحروب الشعواء ضدها من خلال التشكيك فيها والاستهزاء بها، إنما هم يتَّخذون من الطعن في اللغة وسيلة لهدم القومية الكوردية أيضًا، لأن اللغة هي من أهم ركائز القومية كما أسلفنا الذكر، فإذا هدموا اللغة، ستنهار القومية الكوردية أيضًا وبشكل تلقائي كما يخططون لذلك.
 
وحتى يشككوا بوجود لغة كوردية ويطعنوا فيها، تجدهم يطرحون الشبهات حول اللغة الكوردية بغرض تشكيك الناس بها، فيقولون: لماذا لا توجد أحرف أبجدية كوردية خاصة بالكورد؟ ويقولون: أليس عدم وجود أحرف أبجدية خاصة بالكورد دليل على أنه لا توجد لغة كوردية أيضًا! وأن هذه اللغة التي يتحدث بها الكورد هي خليط من الفارسية والتركية والهندية والباكستانية والأفغانية، وهذا غير صحيح وتجنٍ وافتراء على اللغة الكوردية!؟
 
وفي الحقيقة: لم يعد الجهل مبررًا في عصرنا هذا، لا سيما أنه يمكن الحصول على المعلومة وبكبسة زرٍ واحدة، وذلك من خلال محرك البحث غوغل وغيره حتى تصلك المعلومة دون عناءٍ وأنت تحتسي القهوة في بيتك، فلو كلَّف هؤلاء المشككون أنفسهم عناء البحث عن الحقيقة بأنفسهم، لوجدوا أن هناك نحو 4.9 مليار شخص حول العالم يستخدمون أحرف أبجدية واحدة وهي الأحرف اللاتينية، أي ثلثا سكان الأرض يستخدمون نظام الأحرف الأبجدية اللاتينية، ومنهم جميع الدول الأوروبية، وجميع دول أميركا اللاتينية وأمريكا وكندا وأستراليا وتركيا وطاجيكستان وكازاخستان وقرغيزستان وفيتنام، ودول إفريقية كثيرة، وكذلك هناك قسم كبير من الكورد يستخدمون اليوم الأحرف الأبجدية اللاتينية أسوةً بهذه الشعوب الغفيرة، حيث تعد هذه الأحرف من أكثر أنظمة الكتابة انتشارًا حول العالم، وهي مستخدمة في نحو 129 دولة حول العالم من أصل 195 دولة، كون هذه الأحرف سَلِسَة وسهلة الاستخدام.
 
وبالرغم من هذا، لم يقل أحد لماذا لا توجد أحرف أبجدية خاصة بكل شعب من شعوب العالم؟ ولم يقل أحد: لماذا يتشارك جميع هؤلاء في استخدام الأبجدية اللاتينية؟ ولم يقل أحد: أليس هذا دليل على أن لغات هذه الشعوب هذه غير حقيقية! وأن هذه قوميات وهمية ومصطنعة وغير حقيقية وبنفس المحاججة الواهية التي يحاججون الكورد بها؟
 
ولو عاد هؤلاء المشككون باللغة الكوردية إلى التاريخ القديم، لوجدوا أن الكتابة بالأحرف الأبجدية المسمارية كانت من أكثر أنظمة الكتابة انتشارًا في الحضارات القديمة، وعلى رأسها السومريون والأكديون والآشوريون والبابليون والحثيون والأموريون والإيلاميون والكلدانيون ومنهم أسلاف الكورد القدماء وبحسب أغلب علماء الآثار والتاريخ وهم الحوريون والميتانيون والأوراتيون والميديون وغيرهم، حيث كان قدماء الكورد يستخدمون الأحرف المسمارية في كتاباتهم مثل بقية الحضارات التي كانت في المنطقة، وهذا ليس عيبًا أو نقيصة، إذا ما تشاركت شعوب وأمم كثيرة في استخدام نظام أبجدية واحد للكتابة بلغاتها.
 
وقد دوَّن العالم الكيميائي العراقي المسلم ابن وحشية النبطي الذي عاش في القرن الثالث الهجري في كتابه الشهير (شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام) نحو 89 لغة قديمة ومنها اللغة الكوردية، فذكر أنه وجد في بغداد نحو ثلاثين كتابًا يتحدثون عن علوم مختلفة ومنها العلوم المختصة بالزراعة، وقال أنها كانت مكتوبة باللغة الكوردية وبأحرف أبجدية كوردية خاصة بالشعب الكوردي، ونقل رسم تلك الحروف في كتابه المذكور آنفًا وقال أنه قام بترجمة هذه الكتب من اللغة الكوردية إلى اللغة العربية لتعم الفائدة والمنفعة على المجتمعات المسلمة.
 
وهذا دليل على أنه كانت هناك أحرف أبجدية خاصة بالكورد في القرن الثالث هجري، وقد رسمها ابن وحشية النبطي رحمه الله في كتابه وما تزال تلك المخطوطة موجودة في كتابه (شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام) وإلى يومنا هذا، ويمكن لمن يشكك أن يطَّلع عليها فهي موجودة في الإنترنت وفي متناول الجميع.
 
كما يخبرنا التاريخ أيضًا، أن الكورد استخدموا بعدها الأحرف الأبجدية العربية في كتابة اللغة الكوردية مثل الفرس والترك والأفغان والعديد من الشعوب الأخرى، وأنَّ الكورد تخلوا عن الكتابة بالأحرف الأبجدية الكوردية الخاصة بهم والتي ذكرها ابن وحشية النبطي لصالح الأبجدية العربية، وذلك حبًا بالإسلام وكرامةً للغة العربية التي شرَّفَها الله تعالى بأن أنزل بها القرآن الكريم، وقد خدم الكورد أنفسهم اللغة العربية بكل حبٍ وإخلاص، وعلى رأس هؤلاء محمد كورد علي، الذي أسس أول مجمع للغة العربية في دمشق سنة 1919 وكان أول رئيس لها.
 
لكن عندما سقطت الدولة العثمانية وقرر مصطفى كمال أتاتورك إلغاء نظام الأبجدية العربية وكتابة اللغة التركية بالأحرف اللاتينية، وقامت في المنطقة دول قومية على أنقاض الشعب الكوردي وعلى حساب حرمانهم من حقهم في إقامة دولتهم أسوةً بالعرب والترك وغيرهم، قرر الكثير من الكورد أيضًا التحول إلى الأحرف اللاتينية، لكن وبالرغم مع هذا، فما يزال قسم آخر من الكورد يستخدمون الأبجدية العربية في تدويناتهم.
 
ختامًا: اللغة الكوردية لغة حية وغنية بالمفردات بما فيه الكفاية، ويتحدث بها نحو 70 مليون نسمة حول العالم، أما نظام الكتابة بالأحرف الأبجدية وشكل الأحرف، سواء كان بالأبجدية المسمارية اللاتينية أو العربية أو غيرها، فهذا ليس هو الغاية بحد ذاته، لكنه مجرد وسيلة وأداة للتدوين والكتابة، وغالب الكورد يكتبون لغتهم الكوردية اليوم بالأحرف اللاتينية ولا ضير في هذا، ولا يهم بأي نظام أبجدية يكتب به المرء نتاجه الفكري، لكن المهم هو أن يكون للإنسان نتاج فكري وأن لا يكون عالة على الشعوب، والشعب الكوردي لم يكن يومًا عالة على أحد، فقد قدَّم للأمة الإسلامية ولشعوب المنطقة والعالم كوكبة كبيرة من القادة والعظماء والعلماء والفقهاء والأطباء والفلكيين والمهندسين والمفكرين والمؤرخين والمفسرين والنحاة والصرفيين والفلاسفة والمناطقة والمتكلمين والخطباء وغيرهم كأمثال: القائد صلاح الدين الأيوبي وأبو مسلم الخراساني، والمحدث ابن الصلاح الشهرزوري، والمؤرخ ابن خلكان، والحافظ ابن المستوفي، والحافظ العراقي، والحافظ أبي زرعة، وابن الحاجب، وابن تيمية، والبيتوشي والبنجويني، وابن الخياط، وأبو حنيفة الدينوري ومحيي الدين كوراني وشهاب الدين السهروردي وجلال الدين الرومي وابن الجزري وسعيد النورسي والبوطي وغيرهم الكثير.
 

تعليقات

علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر

أضف تعليقاً

النص المطلوب
النص المطلوب
 

آخر الأخبار

فينوس بابان

كيف يقود رئيس إقليم كوردستان دبلوماسية السلام؟

لم تكن الجولة الدبلوماسية الرسمية التي قادت رئيس إقليم كوردستان السيد نيجيرفان بارزاني إلى العاصمة الإيطالية روما ودولة الفاتيكان مجرد حراك بروتوكولي عابر في أجندة العلاقات الخارجية للإقليم، بل هي هندسة إستراتيجية مدروسة تندرج ضمن الإستراتيجية العليا لكوردستان لتثبيت مكانتها الإقليمية الدولية كلاعب حتمي لا يمكن تجاوزه في معادلة الشرق الأوسط.