في أعقاب عملية انفكاك سوريا عن مصر (28 سبتمبر 1961)، حاولت السلطة الجديدة في سوريا أن تستعيد الحياة الدستورية والسياسية في البلاد عبر تبنّي ( ميثاق وطني – 10 اكتوبر 1961) ينصّ على إعادة الحياة البرلمانية في سورية وإجراء انتخابات عامة بضمانة الميثاق وتشكيل لجنة لإعداد دستور دائم للبلاد. وبالفعل جرت انتخابات عامّة في أوائل نوفمبر 1961 للاستفتاء على الدستور المؤقت الجديد ولتشكيل مجلس نيابي جديد والذي ترأسه فور تشكله الدكتور مأمون الكزبري. وانتخب المجلس النيابي (18 نوفمبر 1961) ناظم القدسي رئيسا للجمهورية بعد انسحاب منافسه خالد العظم من السباق الرئاسي.
لكنّ انقلاب البعث (8 مارس 1963) بقيادة اللجنة العسكرية للحزب، (محمد عمران، صلاح جديد، حافظ الأسد من أبرز عناصرها)، قطع الطريق على استكمال هذا المسار في إعادة سوريا إلى الحياة الطبيعية، إذ ألغى الانقلابيون التعددية السياسية والاقتصاديّة وأقاموا دولة الحزب الواحد في سوريا وفرضوا قانون الطوارئ منذ عام 1963 ليستمرّ حتى عام 2011 بعيد اندلاع الثورة السلمية في سوريا حيث لم تعد البلاد بحاجة إلى قانون لتكون في حالة طوارئ دائمة.
في عام 1970، نجحت سياسة أمريكا المسماة (لعبة الأمم) في إيصال الجنرال المهزوم (في حرب حزيران 1967 مع إسرائيل) حافظ الأسد إلى سدّة الحكم في سوريا (يمكن مراجعة كتاب الدبلوماسي الأمريكي السابق مايلز كوبلاند بعنوان – لعبة الأمم-)، لتبدأ مرحلة جديدة من حكم دكتاتورية الفرد المطلقة في رداء الحزب الذي تمحور حول وفي شخصية الأسد التي تمّ تأليهها وتقديسها. حيث تمت صياغة الدستور وبناء (المؤسسات) وفق مقاس الأسد بعد وضع بصمة إبهام الحزب عليها. ولقطع الطريق على احتمال نشوء أي حياة سياسية خارجة عن قبضة الأسد، لجأ إلى فكرة بناء (الجبهة الوطنية التقدمية) ليُدخل جميع الأحزاب السياسية إلى بيت طاعته. يعتقد الكثيرون أن فكرة الأسد في بناء الجبهة كانت لإضفاء الشرعية على نظامه، لكنّني أعتقد أنّ الغاية الرئيسية منها كانت إنهاء الحياة السياسية في سوريا وتجفيفها لصالح دكتاتوريته الفردية التي حاول أن يزيّنها بمقولة أدرجت في الدستور في مادته الثامنة:" إن حزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب القائد في الدولة والمجتمع...." دون أن يكون للحزب أي دور فعلي في القيادة سوى دور تأمين الخزين الشعبي المدجّن لصالح الدكتاتور.
تعرضّت الأحزاب السورية العريقة وذات التاريخ السياسي الكبير في البلاد إلى أزمات داخلية عميقة على أثر قرارها الانضمام إلى جبهة الأسد، وانقسم معظمها على نفسها بين تيارات التحقت بالأسد تابعةً له وفاقدة لقرارها السياسي ودورها الطبيعي، تستفيد رموزٌ فيها من أوكار الفساد التي هيّأها نظام الأسد لها، وتياراتٌ ظلّت خارج قبضة الأسد وحافظت على نسغ الممارسة السياسية ونشطت في مجالات النقابات المهنية خاصّة دون أن تتيح لها ظروف الاستبداد السائدة تحقيق التحوّل السياسي المنشود في سوريا.
استغلّ حافظ الأسد الصدام العسكري مع الجناح المتشدّد في الحركة الإسلامية (أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات) ليحرق أخضر السياسية السورية مع يابسها. إذ جرّد حملة على جميع التيارات السياسية الخارجة عن قبضته، بما في ذلك الأحزاب التي عارضت العمل المسلّح ضدّ النظام، وملأ بهم السجون وأصدر عليهم أحكام قاسية كفيلة بعدم عودتهم لا إلى الحياة السياسية فحسب، بل وإلى الحياة الطبيعة، وانتقم على نحوٍ خاصّ من التيارات التي انفصلت عن أحزابها التي التحقت بجبهة الأسد الشكلية. وقبل عام 2011، حذّر أحد أبرز مفكّري البعث في محاضرة له في حلب ( د. طيّب تيزيني)، بلغة أشبه بالتنبّؤ، من أنّ استمرار البلاد على حالها دون إجراء إصلاحٍ جذريٍّ وشامل سوف يؤدّي إلى انفجار اجتماعي عنيف ودموي رهيب سوف يتمّ تلويثه طائفياً وسيدمّر البلاد.
ما يحدث الآن في غرب كوردستان يسير باتجاه نموذجٍ يحاكي تجربة البعث في عموم البلاد في ظروفٍ لم تعد مطابقة ولا مشابهة لظروف حكم الأسد الأب.
فحزب الاتحاد الديمقراطي PYD، القائم على إدارة شؤون غرب كوردستان كواجهة محلية لحزب العمال الكوردستاني PKK وأداة تنفيذية لسياسته، يفرض سلطته المطلقة على جميع أوجه الحياة السياسية والتشريعية والإدارية والعسكرية والأمنية والمجتمعية دون أي وجود لمؤسسات مستقلة عن هينمة الجهاز النافذ في الحزب الأمّ. يصدر العقود الاجتماعية ويشكّل المقاطعات وإداراتها ثمّ يستبدلها بمشاريع أخرى يعوزها الوضوح ويضع الدساتير ويفرض نظام الخدمة العسكرية ويعتقل المخالفين له في الرأي وينظّم المجتمع في قوالب مسبقة الصنع بمفرده. يقطع الطريق بإحكام أمام أي عملية سياسية تشارك فيها الكيانات السياسية المعبّرة عن التنوّع السياسي والمجتمعي ويلجأ، عوضاً عن ذلك، إلى تشكيل كيانات سياسية تحت عباءته تضم أحزاباً (معظمها أحزاب أصابع اليد الواحدة) لا دور لها سوى دور الشاهد الصامت. بل أنّه يغلق الآفاق أمام الأحزاب التي ارتضت السير تحت قوانينه وترخيص مكاتبها منه والمشاركة في لعبته الخاصّة (تجربة الانتخابات المحلية في عفرين التي شارك فيها إلى جانبه حزب "الوحدة" – جناح شيخ آلي-). وفي مشهد مكرّر لتجربة أحزاب جبهة الأسد، تعرّضت جميع الأحزاب التي والت الحزب الحاكم أو اقتربت منه أو غازلته إلى أزمات داخلية وعمليات انقسام تنظيمي، بل فقدت بعضها توازنها الداخلي التنظيمي والسياسي وقامرت بإرثها ودورها المشهود في الحركة الكوردية فانضمت بقرارات ارتجالية وانفعالية، لم تتّخذ لا في هيئاتها الشرعية ولا في مؤسساتها القيادية، إلى تشكيلات ملحقة بإدارة الحزب الحاكم كمجلس سوريا الديمقراطية وذراعها العسكري ومشروع فيدراليتها الغامض، الأمر الذي أفقدها أي دور حقيقي في الساحة السياسية سوى تبرير ممارسات السلطة القائمة بذريعة مواجهة الإرهاب مثلما كانت أحزاب جبهة الأسد تتذرّع في تبريرها لاستبداد نظامه بمواجهة الإمبريالية والصهيونية، الأمر الذي يضع هذه الأحزاب في مواجهة أزمات داخلية جديدة قد تقضي على آخر أمل بدورٍ هامشيّ لها في الصراع السياسي المحتدم والذي سيتفاقم في أعقاب وضع سوريا على طريق الحلّ.
إنّ مواصلة السير في هذا الطريق سوف يقضي على فرص خلق عملية سياسية مجتمعية تشعر الناس بأنّها تشارك في تقرير مصيرها وسوف تنهي الفاعلية السياسة والمدنية في المجتمع وتجعل من إقليم غرب كوردستان، إذا ما سنحت له الظروف الاستمرار في إدارة نفسه، محكوماً بمعادلة سلطة قامعة ومجتمع مقموع، وسيكون لهذه المعادلة مفاعليها الكارثية بكلّ تأكيد.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الاعلامية.

