قبيل انعقاد مؤتمر القمة العربية الـ34 في بغداد، بحثت وكتبت عن تاريخ مؤتمرات القمم العربية وماذا تناولت من مواضيع وقضايا، وما خرجت به من نتائج، منذ أول مؤتمر عقد في أيار عام 1946، عندما اجتمعت بقصر أنشاص في دلتا النيل بمصر سبع دول مؤسسة للجامعة العربية. مع أن المؤرخين يعتبرون أن البداية الفعلية للقمم العربية كانت في عام 1964 في القاهرة.
في كل تاريخ هذه القمم لم أعثر على أي ذكر أو مجرد هامش في تناول القضية الكوردية، أو مجرد ذكر للكورد كشعب يعيش في العراق وسوريا، منذ ما قبل الوجود العربي أو الإسلامي في هذين البلدين.
دعوني هنا أن أتحدث عن قضية الكورد في العراق الذين بدت معاناتهم في مواجهة الجيوش العراقية منذ عام 1961، أي قبل ما تم اعتباره رسمياً من قبل جامعة الدول العربية أن أول قمة عربية حقيقية هي التي عقدت في القاهرة في الأول من أيار 1964 حيث زاد عدد المشاركين من الدول العربية بعد حصول العديد منها على الاستقلال. وهذا يعني أن اضطهاد الكورد من قبل الحكومة العراقية وقتذاك بدأ قبل 3 سنوات من انعقاد أول قمة عربية، وكان الكورد في العراق قد دشنوا ما يُطلق عليه تاريخياً "الحرب العراقية الكردية الأولى" أو ثورة أيلول، وحسب الموسوعة العربية وتسمى باللغة الكوردية "شۆڕشی ئەیلوول"، وهو صراع مسلح شهده إقليم كوردستان العراق قاده من الجانب الكوردي الزعيم ملا مصطفى بارزاني دفاعاً عن حقوق الشعب الكوردي في الأرض والحياة الكريمة والحقوق السياسية والثقافية والاجتماعية، وقاتل مع رفاقه منذ عام 1961 ضد أبرز كبار الضباط في الجيش العراقي آنذاك وهم: خليل الدباغ وسعيد حمو وعبد الجبار شنشل.
واستمر قتال الجيوش العراقية بمختلف الأسلحة الثقيلة والطيران الحربي طوال عقود راح ضحيته مئات الآلاف من الضحايا الكورد ومن مختلف الأعمار، نساء ورجال، حتى اختتمت في عهد نظام صدام حسين عندما قصف في نهاية الثمانينات مدينة حلبجة بالأسلحة الكيمياوية ودفن آلاف العوائل الكوردية أحياء في صحراء السماوة.
هذا يعني أنه لما يقرب من القرن من الزمان عانى الشعب الكوردي في العراق من القتل والتشريد والاضطهاد على أيدي الجيش العراقي في مناطقهم الأصلية التي تعرضت للغزو العربي منذ ما يقرب من 1200 عام تحت لافتة الفتوحات الإسلامية، واستمرت حملات تعريب المناطق الكوردية بتهجير الكورد من أراضيهم والمجيء بمئات الآلاف من العرب من وسط وجنوب العراق إلى تلك المناطق.
وحتى آخر مؤتمر قمة عربية عقد قبل تغيير النظام العرقي في الأول من آذار عام 2003 في شرم الشيخ بمصر، لم ولن ولم تناقش هذه القمم ولو لمرة واحدة أو بصورة هامشية ما تعرض له الشعب الكوردي في العراق من جرائم إبادة جماعية، في الأقل من باب أن هؤلاء الكورد يعيشون في بلد عربي، العراق، أو بحجة أنهم حريصون على استقرار الشعب العراقي، لم نقرأ أو نسمع أن مؤتمر القمة العربية الذي عقد في تاريخ كذا وفي بلد كذا استنكر أو شجب أو أدان، وهذا أضعف الإيمان، مثلاً، جرائم قتل أو تهجير أو اضطهاد الكورد في العراق.
هناك من سيقول لي وبصوت عالٍ إن مؤتمرات القمة العربية مخصصة للقضايا العربية وليست الكوردية، وسأرد عليه بأن هذه المؤتمرات تناقش وتبحث في أزمات الدول العربية، وهذه الدول كانت وما تزال رافضة لاستقلال الكورد عن جسد العالم العربي، ومنذ تأسيس جامعة الدول العربية وانعقاد أول قمة قبل 79 عاماً وهذه المؤتمرات تناقش وتبحث وتقيم الدنيا ولا تقعدها من أجل فلسطين والفلسطينيين، حدث ذلك حتى قمة بغداد، ونحن هنا لسنا ضد القضية الفلسطينية وبالتأكيد نحن ضد الجرائم الإسرائيلية التي اقترفت وتقترف ضد الشعب الفلسطيني، لكننا في الوقت ذاته كنا نتمنى، ومن باب التمني فقط، أن يتذكر القادة العرب وعلى مدى ما يقرب من ثمانية عقود القضية الكوردية، حتى ولو من باب المجاملة كونهم يعيشون ومنذ آلاف السنين في بلد عربي، وأنهم كانوا قبل وجود العرب في العراق.
لقد ناقشت مؤتمرات القمم العربية شتى القضايا في مشرق العالم العربي وحتى مغربه، بما فيها قضية أرتيريا وأثيوبيا والصومال وإسكندرونة والجزر الإماراتية الثلاث المحتلة من قبل إيران، لكن هذه المؤتمرات لم تتذكر أو تذكر معاناة الشعب الكوردي في العراق الذي تعرض لجرائم إبادة هي أخطر بكثير من قضايا الصومال وجزر القمر وأثيوبيا.
لكن رد الشعب الكوردي على هذا التهميش والتناسي المتعمد للقضية الكوردية من قبل القمم العربية طوال 79 عاماً، جاء واضحاً ومعبّراً عن صمود الشعب الكوردي وانتصار ثورته، وتلاحمه مع العرب في العراق عندما ترأس مؤتمرين للقمة العربية عقدا في بغداد شخصيتان كورديتان، الرئيس العراقي الراحل جلال طالباني، قمة بغداد 2012، وقمة بغداد الأخيرة الرئيس العراقي رشيد عبد اللطيف، بينما مثّل العراق رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، ومثّل البلد في المحافل الدولية وزير خارجيته الكوردي فؤاد حسين، للتأكيد على أن الكورد لم تُغيبهم حروب الإبادة التي شُنت ضدهم، ولم يُهمش ذكرهم في كل مؤتمرات القمة العربية.
تعليقات
علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر
أضف تعليقاً