ألغام سايكس بيكو السياسية
اتفاقيةُ سايكس بيكو أرادَ منها مهندساها تسخير بلاد الآخرين ومواردها لمصالحهما، ضارباً عرض الخطوط الجغرافية طموحات ومصير الشعب الكوردي، ومصير شعوب المنطقة، امتدّت آثارها مئة عامٍ من الألم والظلم والتخلّف.
عمر أحمد*
تعد وزارة النفط العراقية والثروات الطبيعية في إقليم كوردستان العدة لاستئناف تصدير نفط إقليم كوردستان. هذه الخطوة، إن تحققت في المستقبل القريب، فستكون ورقة سياسية مهمة في مواجهة بغداد، التي تعمل منذ أكثر من 10 سنوات على تحجيم سلطات إقليم كوردستان اقتصادياً وسياسياً. إن الإحجام عن منح إقليم كوردستان نصف حصته من الموازنة في 2024 وفقاً لقانون الموازنة يدل على الإجحاف الكبير الذي تمارسه الحكومة الاتحادية العراقية بحق إقليم كوردستان. يمكن لاستئناف تصدير النفط أن يمهد الطريق لإلغاء هذا الظلم الكبير، إذا اتخذ مسؤولو إقليم كوردستان موقفاً منطقياً تجاه بغداد وأعادوا الأمل للمواطنين والأسواق.
القدرة على إنتاج 10% من نفط العراق
يستطيع إقليم كوردستان خلال فترة قصيرة إنتاج ما يقارب 400 ألف برميل نفط يومياً، ويصدر هذه الكمية إلى الأسواق العالمية تحت إشراف وزارة النفط العراقية وشركة تسويق النفط العراقية (سومو)، وعبر الأنبوب الناقل الذي أنشأه.
إن 400 ألف برميل، تعادل 10% من إجمالي إنتاج النفط العراقي، وهذا يتيح معادلة بسيطة أصبحت أساساً لنسبة حصة إقليم كوردستان من الموازنة العامة، وتتمثل في أن حصة إقليم كوردستان ستكون نفسها النسبة يشارك بها في إنتاج النفط.
إذا عدنا إلى الأرقام الواردة في الموازنة العراقية، نجد أن إجمالي النفقات يقارب 212 تريليون دينار. 10% من هذا المبلغ يساوي نحو 21 تريليون دينار وهو نظرياً حصة إقليم كوردستان التي خصصت له وفقاً لتلك الصيغة غير الواضحة. رغم أن هذه النفقات هي النفقات العامة الواردة في الموازنة وليست النفقات الفعلية، لكن إذا نظرنا إلى النفقات الحقيقية للعراق التي نشرتها وزارة المالية العراقية للأشهر الـ 11 من سنة 2024، يتضح لنا أن وزارة المالية العراقية لا تنوي صرف أكثر من 10% لإقليم كوردستان، في ظل أي ظرف. هذا يثبت، أنه ما لم يحذف مصطلح النفقات الفعلية من تلك المواد والفقرات المتعلقة بحصة إقليم كوردستان، فلن تحل المشاكل المالية لحكومة إقليم كوردستان باستئناف تصدير النفط فقط.
بلغت النفقات الفعلية للعراق خلال الـ11 شهراً تلك 136.4 تريليون دينار، خصص منها 13.1 تريليون دينار لإقليم كوردستان، وفقاً لوزارة المالية العراقية. رغم أن حكومة إقليم كوردستان تقول إن بغداد لم ترسل حتى الـ13.1 تريليون دينار وأرسلت أقل من ذلك بحوالى تريليون دينار، إلا أن ما خصصته وزارة المالية العراقية فعلياً لإقليم كوردستان يقارب 10% من إجمالي النفقات الفعلية للعراق.
التوقعات من القيادات
آخر تقرير لمعهد غالوب، الذي عرض في منتدى الحكومات العالمي هذا العام، ما يكشف ما تتوقعه الشعوب من قياداتها. وفقاً لتقرير غالوب الذي هو ثمرة مسح واسع شمل 52 دولة، أن ما تريده الشعوب بالدرجة الأولى من قادتها هو: الأمل، والثقة، والرحمة، والاستقرار.
منذ أن بدأت الحكومة العراقية بقطع موازنة إقليم كوردستان في العام 2014 وحتى الآن، طرأ تغيير كبير وواضح على العلاقات بين إقليم كوردستان والعراق، لكن لم تمر سنة من السنوات الـ12 الماضية بدون أن تحاول بغداد تحجيم سلطة إقليم كوردستان اقتصادياً وسياسياً.
والآن، وبينما يتطلع الجميع إلى تشكيل الكابينة الحكومية الجديدة لإقليم كوردستان، يجب أن تكون أولوية القيادة هي حل المشاكل المالية لإقليم كوردستان مع بغداد بحيث لا تتكرر كل عام. هذا يمكن أن يعيد الأمل للناس.
المسح الذي أجرته غالوب يشير إلى أن 56% من المشاركين يتوقعون من قياداتهم أن يمنحوهم الأمل، بينما وبفارق كبير، يطالب 33% من المشاركين في الاستطلاع قياداتهم بمنحهم الثقة والطمأنينة، في حين يؤكد 7% من المشاركين على الرحمة و4% يؤكدون على الاستقرار الذي يجب على القيادات أن تحققه لهم كمواطنين.
عودة دونالد ترمب
وصف ترمب أولويته الأولى على أنها تتمثل في تقوية أمريكا، وعلى قيادات إقليم كوردستان أن يوضحوا لأمريكا كيف أن تقوية إقليم كوردستان تخدم تقوية أمريكا في المنطقة سواء من الناحية السياسية والأمنية أو من ناحية المصالح الاقتصادية.
يعمل ترمب على صياغة نظام عالمي جديد ويروج لسياسة من المحتمل جداً أن تؤثر على العراق وإقليم كوردستان أيضاً. لا يقدم ترمب أي شيء لأي دولة بدون أن يأخذ شيئاً في المقابل، ويعتقد ترمب أن المصلحة الاقتصادية لها اليد العليا في التعامل مع الدول الأخرى.
يمكن لفتح سوق إقليم كوردستان في وجه الشركات الأمريكية، خاصة في مجال النفط والغاز الطبيعي والمعادن، أن يحقق هذا الهدف. إذا استطاعت حكومة إقليم كوردستان القادمة أن تتفق مع الحكومة العراقية على قانون النفط والغاز الاتحادي وتثبيت دور بارز للأقاليم، سيكون لذلك أثر كبير في إنعاش قطاع الطاقة في إقليم كوردستان. إن غياب شركات طاقة كبيرة عن إقليم كوردستان حتى الآن يعود إلى الغموض الموجود والضغوط التي تمارسها بغداد على إقليم كوردستان، وهذا ينفّر المستثمرين الدوليين.
المخاطر على الاقتصاد العراقي
من الصعب أن تأتيك موازنتك من العراق، ويكون نموذجك الاقتصادي معاكساً تماماً للعراق. يأتي 90% من اقتصاد العراق من عائدات النفط. لذلك، حرمت صدمة أسعار النفط، والتأرجح في أسعار النفط ارتفاعاً وانخفاضاً، الاقتصاد العراقي من الاستقرار. كذلك فإن زيادة أعداد الموظفين وارتفاع النفقات سنة بعد سنة، سيضطر العراق في السنوات القادمة للمزيد من الاقتراض. أصبح الفساد سبباً في خلق اقتصاد طفيلي وأحادي، بعيداً عن الاستثمار الخارجي في العراق، وإذا انخفض سعر النفط إلى ما دون 70 دولاراً وهو ما يرجح حدوثه في عهد دونالد ترمب الحالي، سيحدث عجز كبير في الموازنة. ربما تضطر الحكومة العراقية في السنوات القادمة، مثلما حدث في فترة وباء كورونا، للجوء إلى الاقتراض من البنك المركزي لتأمين رواتب الموظفين.
من نموذج أبوظبي إلى نموذج دبي
أفضل نموذج لإقليم كوردستان هو دفع اقتصاده من (اتخاذ الموارد أساساً) نحو (اتخاذ الخدمات كأساس). يمكن أن نمثل لهذين النموذجين المختلفين بإمارتي أبوظبي ودبي. اقتصاد أبوظبي قائم على أساس الموارد واقتصاد دبي على أساس الخدمات. الجزء الذي تخصصه الحكومة الاتحادية كحصة لإقليم كوردستان ربما يكفي فقط لتغطية رواتب الموظفين، وإذا زاد ربما يكفي لتشغيل المؤسسات الحكومية أيضاً، لكنه لن يسهم في التنمية وتطوير الاقتصاد. إذا لم يكن هناك استثمار كبير خارجي وداخلي في القطاعات الاقتصادية والبنية التحتية الاقتصادية، من الصعب أن يتجه اقتصاد إقليم كوردستان نحو الانتعاش. أفضل حل هو تغيير نموذج التنمية الاقتصادية لإقليم كوردستان إلى الخدمات (النموذج الاقتصادي لدبي). في هذا النموذج، يتم تطوير قطاع التجارة، اللوجستيات، العقارات، السياحة، المصارف والأموال. إذا حدث ذلك، سيقوى سوق العمل ويزداد دخل وثروة الناس وبالتالي يزداد الناتج المحلي الإجمالي لإقليم كوردستان، وبدلاً من الاعتماد على عائدات النفط التي تشكل حوالي 10% من إجمالي إنتاج النفط العراقي والذي ستبيعه الحكومة الاتحادية من الآن فصاعداً، من الأفضل تحويل اقتصاد إقليم كوردستان إلى اقتصاد خدمي، لكن لكي يحدث هذا التغيير، يجب إفساح المجال للمنافسة الحرة للتجار والمستثمرين وأرباب الأعمال وإنهاء احتكار السوق. يجب توفير بيئة مناسبة للمستثمر والقطاع الخاص على عكس كل الشعارات التي تطلق ولا تنفذ.
*مسؤول المكتب الاقتصادي لشبكة رووداو الإعلامية
اتفاقيةُ سايكس بيكو أرادَ منها مهندساها تسخير بلاد الآخرين ومواردها لمصالحهما، ضارباً عرض الخطوط الجغرافية طموحات ومصير الشعب الكوردي، ومصير شعوب المنطقة، امتدّت آثارها مئة عامٍ من الألم والظلم والتخلّف.
تعليقات
علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر
أضف تعليقاً