ينتظر العالم ويترقب بحذر ووجس، الخامس من تشرين الثاني المقبل من هذا العام 2024، موعد الانتخابات الرئاسية الـ60 في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية، والتي بلا شك سترسم نتيجتها ليس فقط معالم تغيرات السياسة الخارجية الأميركية، بل تحدد مسارات الحركة للسياسة الدولية لأربعة أعوام مقبلة، ومنهم من ينتظر فوز ترمب بحذر، وآخرون ينظرون للأمر بخطر!. هذا ما حذّرت منه صحيفة "الغارديان" البريطانية، من "الخطر"، الذي يمثله سعي الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، لإعادة انتخابه لفترة رئاسية ثانية في الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في شهر تشرين الثاني من عام 2024.
وأشارت في تقرير إلى أن فوز ترمب، الذي ستكون له تداعيات وخيمة على الولايات المتحدة والعالم، يمثل الشبح الأعظم الذي يطارد عام 2024، ورجحت الصحيفة، أن ترمب يسعى إلى مهاجمة الصين بشأن التجارة مرة أخرى، وسوف يشجعه الجمهوريون على المضي قدماً على جبهات أخرى، ولكن إعجابه بالمستبدين قد يسمح له بالتصالح مع الرئيس الصيني (شي جين بينغ) بشأن بعض القضايا؛ وأبرزها مستقبل تايوان، وملفات كُثر في العالم تنتظر شرارةً لتتفجر مثلما يحصل في الشرق الأوسط من حرب غزة، وكذلك في أوروبا من حرب ما بين روسيا وأوكرانيا، فضلاً عن ملف إيران النووي، وأغلب المختصين بالشأن السياسي الأميركي لديهم تخمينات واستشراف اتجاه المتغيرات في السياسة الأميركية اتجاه دول العالم، ووفقاً لأدبيات العلاقات الدولية، يشير التغير في السياسة الخارجية للدولة إلى أي تحولات أو تغيرات تحدث في السياسة الخارجية بصفة عامة من حيث التوجهات والأهداف والأدوار أو التغير في القرارات أو السلوکيات أو أولوية استخدام أدوات السياسة الخارجية، وقد أطلق منظرو العلاقات الدولية على عملية التغيير مسميات عديدة، مثل التكييف السياسي، وإعادة هيكلة وتوجيه السياسة الخارجية، ولطالما كانت السياسة الخارجية الأميركية تتسم بدرجة عالية من الاستمرارية كونها ذات طبيعة مؤسسية، فهي ليست مرتبطة بشخص وحزب الرئيس فقط، إذ يشارك في عملية صناعة القرار، ورسم توجهات السياسة الخارجية لكثير من مؤسسات الرئيس وفريقه المعاون في البيت الأبيض، بما في ذلك مجلس الأمن القومي، بجانب الكونجرس، ووزارة الدفاع الأميركية "البنتاجون" ووكالات الاستخبارات، هذا فضلاً عن تأثير جماعات المصالح "اللوبيهات"، وهي إحدى السمات المميزة للنظام السياسي الأميركي، وعلى هذا النحو، نجد أن هناك ملفات تتسم بدرجة عالية من الثبات النسبي في السياسة الخارجية الأميركية، وهذا لا يعني قطعاً وجود تغيرات، لكن المتأمل للسياسات التي انتهجها الرؤساء الأميركيون المتعاقبون يلاحظ بوضوح أن التغير يكون في أدوات تنفيذ السياسة الخارجية؛ نظراً لأن هناك شبه إجماع أو اتفاق على المصالح الأساسية للأهداف الرئيسية التي يجب العمل على حمايتها، إلا أن كل هذه الثوابت تحطمت في عهد الرئيس الأميركي الـ45، دونالد ترمب، والأوفر حظا حالياً لنيل بطاقة ترشيح الحزب الجمهوري للرئاسة في نوفمبر.
فإذا ما فاز ترامب بالانتخابات والمعطيات تشير إلى أنه الأقرب للفوز سيجعل الحكومة العراقية هي من تطلب بقاء القوات الأميركية في العراق، لأن ترمب ينتهج سياسة الابتزاز، إذ سيقايض الحكومة العراقية بورقة داعش أو القبول بتواجد عسكري أميركي في قاعدة عين الأسد غرب الأنبار، وفكتوريا في بغداد، والحرير في أربيل، والكل يعلم ماذا حصل عندما انسحبت القوات الأميركية عام 2011 وكيف عادت، في 22 حزيران 2014 ومن منحها حصانة دبلوماسية مثل تلك التي تمنح للبعثات حسب اتفاقية فيينا عام 1916، أي بمعنى لا يوجد شيء بالمجان في قاموس ترمب مطلقاً، وسينتقل من سياسة رد الفعل الى سياسة الفعل المباشر، أما قرصة الأذن التي تعرض لها ترمب "محاولة الاغتيال"، سيتخذها سياسة أو معادلة سياسية لقرص آذان الكثير في منطقة الشرق الأوسط وأوروبا وعلى الأرجح تكون من ضمنها شخصيات عراقية، مالم تتغير سياسة الفصائل المسلحة اتجاه المصالح الأميركية، وهذا واضح عن طريق تحليل مضمون خطاب ترامب في حملاته الانتخابية والذي دائماً يكرر عبارة "أميركا اولاً"، ويلقي باللوم على بايدن لأنه كان السبب بضعف أميركا على حد وصفه، وإذا ما حافظ ترمب على سياسته بالولاية الثانية وعلى نمط الأولى، فستنطوي حتماً على ضغوطٍ شديدة على إيران، وسيشمل ذلك المزيد من العقوبات والمزيد من الضغوط على حلفائها واذرعها، من أمثال حزب الله في لبنان والبعض من الفصائل المسلحة في العراق، ومن الممكن أن تجد طهران نفسها في حصار افتراضي لمدة 4 سنوات، أو تعمل على تكثيف "المقاومة القصوى" تحسباً لخطر حرب سافرة، أو الاستعداد للبحث عن شروط للتفاوض مع الإدارة، قد يكون هذا الخيار الثالث صعباً من الناحية السياسية في إيران، ولكن يمكن للمسؤولين الإيرانيين محاولة تكرار استراتيجية كوريا الشمالية في الحصول على مساحة من خلال المشاركة دون التخلي عن أي شيء حاسم، واللعب على غرور ترامب وحبه للمكائد والدراما والاستعراض، لذلك تبقى إيران متخوفة من ولاية ترمب الثانية بسبب التجربة المريرة من الولاية الأولى، فإن ترمب انسحب من الاتفاق النووي الإيراني 1+5، وفرض عليها عقوبات اقتصادية كبيرة، فضلاً عن اغتيال قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس في حادثة المطار 3 يناير 2020 في عملية جوية أطلق عليها "البرق الأزرق".
ومن المتخوفين من فوز ترامب بالولاية الثانية الرئيس الأوكراني، والذى وصفه ترمب مؤخراً بأنه أشطر بائع على الإطلاق، فى أثناء خطابه فى تجمع انتخابي، في مدينة ديترويت، بولاية ميتشيجان، مضيفاً أنه في كل مرة يأتي إلى أميركا، لا يغادرها، إلا ومعه ما لا يقل عن 60 مليار دولار، متهماً جو بايدن، بإهدار الأموال على نحو لم يسبق له مثيل، إذ أنفق نحو 113.4 مليار دولار، في إطار مساعدات أميركية لأوكرانيا، لذا أعتقد أن الرئيس الأوكراني لن يكون مسروراً من وصول ترمب للسلطة، لأنه لن يغدق عليه الأموال مثلما يفعل بايدن، فضلاً عن أن ترامب قد صرح من قبل بأنه لو كان موجوداً في السلطة، لما وقعت تلك الحرب الروسية الأوكرانية، وأن ترامب صرح بأنه في حال فوزه بالولاية الثانية سينهي تلك الحرب فى غضون أسبوع، فور وصوله للحكم، وهو ما فسره الجميع، بالاستجابة، إلى حد كبير، للمطالب الروسية، بعدم وقف القتال، إلا بعد ضم الولايات الأربع منها: لوهانسك ودونتسك وزابورجيا وخيرسون، مع تعهد أوكرانيا بعدم الانضمام إلى حلف الناتو، وضمان عدم حصول أوكرانيا على السلاح النووي، وأعتقد أن ترمب سيوافق على عدم انضمام أوكرانيا للحلف، باعتبار انضمامها غير ذي أهمية تذكر، كما سيضمن عدم حصولها على السلاح النووي، أما فيما يخص ضم الولايات الأربع، فسيكون محلاً للتشاور أو التفاوض، مع طرح بدائل، كمنحهم حكماً ذاتياً، أو إجراء استفتاء جديد، وهو ما يعني حتماً، نهاية حكم الرئيس الأوكراني.
ولعل من أبرز الملفات التي ستكون من أولويات ترمب في حال اعتلى كرسي الرئاسة بالولاية الثانية هي اسرائيل والقضية الفلسطينية ولاسيما حرب غزة وملف حماس، لأن ترمب الوحيد من بين رؤساء الولايات المتحدة الأميركية الذي نفذ وعده بنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، وهو الذي أطلق على القضية الفلسطينية اسم "قضية القرن"، فضلاً عن العلاقة الوطيدة التي تجمع ترمب برئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، والذي حرص على استعمال صوره الفوتوغرافية مع الرئيس ترمب في حملته الانتخابية السابقة مع الرئيس ترمب، من أجل ارسال رسائل للناخب الإسرائيلي دعم ترمب وبالتالي تأييد أميركا له، لذلك نرى أن ترمب سيستغل ظروف المنطقة من أجل الابتزاز المالي والسياسي واستخدام أوراق ضغط مثل الجماعات الراديكالية في سوريا وعلى تخوم على العراق وتوظيفها للضغط للحصول على مكاسب مالية وجيوسياسية، وهو أفضل من يجيد لعبة الحرب النفسية والتي تتمثل بكسب الحرب دون إطلاق رصاصة واحدة، لذلك أقول: سوف تكون الولاية الثانية عبارة عن قرص آذانٍ كثيرة اقتصاديةٍ وقد تكون حتى عسكرية، فضلاً عن الابتزاز المالي والسياسي لدول الشرق الأوسط والأوروبية.
