بعد نهاية العمل المسلح في تركيا.. أسئلة السلام والقضية الكوردية

12-05-2025
شيروان الشميراني
الكلمات الدالة حزب العمال الكوردستاني تركيا
A+ A-
في بيان رسمي يمتلك صفة شرعية كاملة جاء بناءً على ما توصل اليه المؤتمر اللائحي لحزب العمال الكوردستاني "PKK" المنعقد في 5-6-7 من آيار 2025، قرّر الحزب ما كان يعتبر أنه من الأحلام، وهو التالي:
 
1- حلّ الحزب وتشكيلاته وتنظيماته.
 
2- إنتهاء العمل المسلح والحرب مع الدولة التركية.
 
3- الدخول في العمل الديمقراطي السلمي طويل المدى من أجل نيل الحقوق.
 
4- ان شعبنا يراقب بدقة وعن قرب مسار عملية السلام.
 
شارك في المؤتمر 232 ممثلاً في جوّ اتسم بالسرية التامة في موقعين مختلفين في جبال قنديل، وبذلك تنتهي إحدى وأربعين سنة من المواجهات المسلحة خلفت أكثر من خمسين ألف قتيل من الطرفين، وانتهى الحزب الذي أسس في 1974 على يد عبد الله أوجلان في صورته التاريخة، ليبدأ النضال بشكل جديد ومسار جديد وفقاً للقانون.
 
بث الحزب مشاهد من البيان الختامي للمؤتمر بتاريخ 12-5-2025، بقراءة جماعية لنصوص أكدت على التمسك بالحقوق عبر النضال الديمقراطي، والهتاف بحياة مؤسسه أوجلان.
 
هذه الخطوة تعتبر من أهم الخطوات التي يشهدها التاريخ الحديث لتركيا، ومن أهم المحطات في تاريخ الصراع الكوردي مع الدول الأربع التي يعيش فيها عشرات الملايين من الكُورد.
 
على ماذا تدلّ هذه الخطوة المتفردة؟
 
- أن النضال العسكري من أجل الحقوق لم يعد ذات مغزى عند توفر الشروط السلمية الديمقراطية، وأن أطراف النزاع لن يتمكنوا من إفناء بعضهم البعض.
 
- تؤكد على التقدم الحاصل في تركيا منذ مجيء العدالة والتنمية ومرجعيتها الإسلامية للعمل، والتي لا تعترف بعلوّ مقام عِرق على عِرق آخر، وللرئيس التركي رجب طيب وأردوغان ورفاقه الدور الأبرز.
 
- التغيير في الذهنية القومية الطورانية، هذه الذهنية التي فرقت العالم الإسلامي كله وهو ما حذّر منه الإمام سعيد النورسي قبل قرن كامل، وجعل مكونات الشعوب في موقف عداء مع الدولة التركية، وعلى حدّ تعبير "أحمد داوود أوغلو" فإن حزب الشعب الجمهوري المؤسَّس على يد مصطفى كمال أتاتورك هو "خطأ في التاريخ التركي" ويقف خلف المآسي التي حلّت بتركيا وشعوبها، وهذا التغيير كامن وراء موقف التيارات القومية التركية الجديد بعد أن تبين لها أنها تسير على الطريق خطأ، وأن الدولة التركية بسياستها القومية المتطرفة التي أسس لها الفكر القومي التغريبي فرقت بين أبنائها.
 
- تدلّ قبل كل هذا على السطوة الروحية والمكانة العالية التي يتمتع بها المرشد الروحي والفكري للحزب عبد الله أوجلان، الرجل الذي مرّ بمراحل فكرية مختلفة طيلة ستة وعشرين عاماً من السجن في جزيرة إمرالي، هذا الرجل قاد العمل السياسي والفكري لأنصاره من داخل الزنزانة، القوة الروحية القاهرة التي يمتلكها على عناصر الحزب لم تبق على منفذ يسمح لمن يريد المخالفة العبور منه.
 
لكن إن حلّ حزب العمال الكوردستاني، وتفكيك تنظيماته، ليس بعيداً عن الاحداث الجارية التي مرت خلال السنتين الماضيتين على المنطقة، إن أحداث سوريا كانت عاملاً مؤثراً جداً، لأن القيادة السياسية التركية في المقدمة "دولت باخجلي" كانت حذرة للغاية من إرتدادات إنهيار النظام السوري على أمن تركيا، خاصة وأن قوىً إقليمية مستعدة لتقديم الدعم الكامل للحركة الكوردية بالضد من تركيا، الدعم الجاهز للتقديم ليس من أجل الحق الكوردي، وإنما من أجل إزعاج تركيا، واللعب بورقة القضية القومية الكوردية في الشرق الأوسط، بترك العمل المسلح سقطت هذه الورقة ولم تعد "في المدى المنظور" متاحة للقوى الإقليمية اللعب بها.
 
إن ترك العمل المسلح، والذي يتزامن مع الحوارات الجارية في أنقرة - إمرالي، إنتصار لمبدأ السلام، والإعتراف بالآخرين، كل الآخرين المختلفين ديناً وقوماً كما تنص نصوص الوحي الإلهي، وكذلك المبادئ التي اتفقت عليها العقول البشرية وتجلت في صورة مباديء ومعاهدات لحقوق الإنسان على المستوى العالمي، وإنتصار للشعبين التركي والكوردي، وإنهزام لقوى الشرّ المحلية والإقليمية والدولية.
   
ماذا بعد؟ 
 
لا نقصد بماذا بعد مصير آلاف المقاتلين، أفق عملهم واضح وهو العمل السلمي الأهلي لمن أراد والعودة الى الحياة الطببعية الروتينية لمن لم يتقن العمل السياسي، وإنما نقصد بماذا بعد، الخطوات العملية التي توقُعها ساعد القيادة العسكرية على قبول ترك أسلحتهم؟.
 
وبما أن القيادة السياسية في الدولة التركية كانت على علم بكل الخطوات التي تسير حتى بموعد عقد المؤتمر الخاتم للحزب، فإنه دليل على أن هناك مساراً مرسوماً متفقاً عليه بين الطرفين، وأن العمل يجري من خلال رئاسة حزب دم بارتي القريب من الكورد، وباشراف مباشر وحاسم من عبد الله اوجلان مع المؤسسة الرسمية للدولة، بمعنى أن هناك خطوات قانونية تؤطر العمل الجاري من أجل وضع نهاية للمشكلة، أو على الأقل الشروع بالخطوات الأولى من أجل الإنتهاء منها، وهي مرحلة جديدة جداً في تاريخ تركيا، وفتحت باباً جديداً كما ورد في البيان الترحيبي لحزب العدالة والتنمية الحاكم، لكن نجاح المسار السلمي بحاجة الى جملة من الأمور:
 
1- الصدق، القيمة الإسلامية والإنسانية السامية، الصدق في النوايا، الصدق المثمِر للإخلاص في العمل، هؤلاء يعملون من أجل شعوبهم، من أجل خير هذه الشعوب وسعادتها في الدنيا والآخرة، وإن الدخول في عملية السلام بين الأطراف المتقاتلة والمتصارعة يستوجب تجنب الخداع، فالحرب خدعة وليس الصلح والسلام، هنا يتوجب تفعيل معايير السلم وسلوكياته، وتجنب كل ما يوحي بأن أحد الأطراف يبحث عن الوقيعة بالآخر تحت عنوان السلام الكاذب، ومما يشكل أمارة على صدق النوايا، الإفراج عن عشرات الالاف من السجناء السياسيين بتهمة الإنتماء لتنظيمات الحزب، وفي الصدارة صلاح الدين دميرتاش وتخفيف ظروف أوجلان، والانفتاح الأولي على المسائل الثقافية لحين إقرارها في الصيغ القانونية، وتغيير الدستور الذي هو رغبة الطرفين، لتدخل تركيا في قرنها الجديد كما تنبأ به الرئيس رجب طيب أردوغان.
 
2- التعلم من مرارة وآلام العقود السابقة، والبحث عن الأسباب الحقيقية من أجل حلها، التجربة أثبتت أن سفك الدماء داخل الشعب الواحد لن يأتي سوى بالهدم والتدمير في حين أن الإنسان مكلف بالبناء والتعمير.
 
3- تفعيل القيم الدينية والإنسانية، وفي المقدمة مبدأي "العدالة والمساواة" وبالعدل قامت السماوات والأرض، وهو مقصد قرآني أمر به الله سبحانه عباده بتحقيقة في الأرض، غياب العدل يأتي بالظلم، والله لن يسمح للظالم أن يفلح، إن عدم الإلتزام بمبادئ العدل والمساواة يتسبب ببروز حركات متمردة أخرى، ليس شرطاً أن يكون في هذا الجيل ربما في أجيال مقبلة، لهذا لا مفرّ من القضاء على كل الأسباب المؤدية إلى تفجير المجتمعات.
 
ما يجري على الأرض يحتم علينا أن نقول: "الحمد لله رب العالمين".
 

تعليقات

علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر

أضف تعليقاً

النص المطلوب
النص المطلوب
 

آخر الأخبار

عمر أحمد

كيف أصبحت الشبكة الخليجية المشتركة للكهرباء هدفاً للحرب؟

أعلنت إيران، يوم الإثنين، عن تأسيس "هيئة مضيق الخليج الفارسي" لإدارة مضيق هرمز، كما أنشأت حساباً رسمياً للهيئة الجديدة على وسائل التواصل الاجتماعي تحت اسم (PGSA) لنشر آخر المعلومات والمستجدات المتعلقة بهذا الممر المائي الاستراتيجي.