عمر أحمد*
الذهب ليس مجرد معدن يتم تداوله في سوق الحُليّ والعملات فقط؛ بل هو ثروة و راسمال عالمي لحفظ القيمة. إنه ثروة ثقافية ومالية للأفراد والشركات والبنوك، وجزء من المدخرات والأصول الاحتياطية. من لندن ونيويورك إلى بغداد وأربيل و كركوك، يحتفظ الذهب بنفس الأهمية.
للذهب قيمة عالمية. بالنسبة للعائلات العادية، هو بمثابة تأمين وادخار؛ فعندما يصبح الوضع الاقتصادي للبلاد غير مستقر أو تنخفض قيمة العملة الوطنية، فإن الحُليّ ومجوهرات الزفاف والقطع الذهبية الصغيرة تحافظ على القوة الشرائية للعائلات. أما بالنسبة للبنوك والبنوك المركزية، فالذهب ثروة احتياطية استراتيجية يمنح الثقة لوضعها المالي ويساعد في تنويع أصولها من العملات الأجنبية. كما تستخدم الشركات الذهب كدرع ضد تقلبات أسعار العملات والتضخم. وبالنسبة للمستثمرين العالميين، من الصناديق السيادية إلى المستثمرين الأفراد، يُعد الذهب ملاذاً آمناً تقليدياً عندما تكون الأسواق في وضع سيئ أو عندما يزداد عدم اليقين بسبب الوضع السياسي. هذه الأدوار جعلت الذهب حساساً بشكل خاص للسياسة النقدية والطلب من قبل البنوك المركزية والعوائق التجارية ومخاطر الحرب.
هذا الأسبوع، وصل سعر الأونصة الواحدة من الذهب في العقود الفورية إلى 3400 دولار، لكنه ارتفع بشكل أكبر في العقود الآجلة إلى ما يقارب 3540 دولاراً، وعلى الرغم من تراجعه لاحقاً إلى حوالي 3460 دولاراً، إلا أنه لا يزال عند مستوى مرتفع تاريخي .
ما الذي حرك أسعار الذهب في السوق هذا الأسبوع؟
كانت هناك صدمتان رئيسيتان وراء هذه الأحداث. يتم تكرير وتنقية 70% من الذهب المادي في العالم في سويسرا، ومن هناك يتم تصديره إلى الولايات المتحدة على شكل سبائك. في العام الماضي وحده، تم تصدير ما قيمته 9.7 مليار دولار من الذهب المادي من سويسرا إلى الولايات المتحدة. لكن البيت الأبيض فرض تعريفة جمركية بنسبة 39% على سويسرا، وقالت الجمارك الأمريكية في البداية إن الذهب ليس مستثنى من هذه التعريفات. ولكن بمجرد أن ارتفعت أسعار الذهب بهذه النسبة المذهلة، صرحت إدارة ترامب بأن المعلومات خاطئة وستصدر قريباً أمراً تنفيذياً بشأن استيراد الذهب. ثانياً، دفعت البيانات الاقتصادية السيئة في الولايات المتحدة وتباطؤ سوق العمل في البلاد التجار للمراهنة على خفض أسعار الفائدة من قبل البنك المركزي الأمريكي (الاحتياطي الفيدرالي). إن خفض أسعار الفائدة يقلل من قيمة الدولار ويرفع من قيمة السلع والمعادن.
ماذا تقول البنوك والمؤسسات المالية؟
تتوقع معظم المؤسسات المالية المزيد من الارتفاع في أسعار الذهب:
•سيتي بنك (Citi): رفع توقعاته قصيرة الأجل إلى 3,500 دولار للأونصة، بسبب توقعات بضعف النمو الاقتصادي والتضخم في الولايات المتحدة.
•غولدمان ساكس (Goldman Sachs): رفع توقعاته الأساسية لنهاية عام 2025 إلى 3,700 دولار (مع احتمال وصوله إلى ما يقارب 3,880 دولار في سيناريو الركود الاقتصادي).
•جي بي مورغان (JPMorgan): يتوقع أن يتجاوز الذهب مستوى 4,000 دولار بحلول منتصف عام 2026، بالاعتماد على استمرار الطلب من البنوك المركزية ومخاطر الركود الاقتصادي.
آراء صاغة إقليم كوردستان
تحدثت مع اثنين من التجار الخبراء في إقليم كوردستان. يقول سعد جلال، وهو تاجر ذهب في أربيل: "هذه المرة، عارض عضوان من لجنة السوق المفتوحة في البنك المركزي الأمريكي الإبقاء على سعر الفائدة، وكانا مع خفضه".
تتألف اللجنة من 12 عضواً، ويُعد ارتفاع الأصوات الداعية إلى خفض الفائدة مؤشراً على احتمال خفضها في الشهر المقبل.
ويضيف سعد جلال: "لقد عيّن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب محافظاً آخر للبنك المركزي يتفق مع سياساته الرامية إلى خفض سعر الفائدة".
قام دونالد ترامب بتعيين (ستيفن ميران)، رئيس مجلسه للمستشارين الاقتصاديين، ليحل محل (أدريانا كوجلر) في منصب محافظ البنك المركزي الأمريكي. وستيفن هو أحد الأعضاء الـ 12 الذين يتخذون القرار بشأن سعر الفائدة.
يتوقع سعد جلال أنه عندما يتم خفض سعر الفائدة في الاجتماع القادم للبنك المركزي، سيصل سعر أونصة الذهب إلى 3,500 دولار.
ويشير التاجر إلى نقطة مهمة قائلاً: "قبل أن يصل سعر الذهب إلى 3500 دولار، يُعتبر اجتماع دونالد ترامب وفلاديمير بوتين في ألاسكا يوم 15 من هذا الشهر مهماً، لأنه إذا كان الاجتماع مثمراً، فقد يتسبب في تراجع سعر الذهب قبل أن يعاود الارتفاع إلى 3500 دولار".
أما يونس سيد أحمد، وهو تاجر ذهب بارز في مدينة دهوك، فيعتقد أن البنك المركزي الأمريكي سيخفض سعر الفائدة ثلاث أو أربع مرات حتى نهاية هذا العام.
يقول يونس: "لقد تفاعل سوق الذهب بشكل جيد جداً مع بيانات سوق العمل الأمريكي. وفقاً لهذه البيانات، يتجه الاقتصاد الأمريكي نحو نوع من الركود الاقتصادي، لذالك من المرجح جداً أن يخفض البنك المركزي الأمريكي سعر الفائدة أربع مرات هذا العام. إن خفض سعر الفائدة يقلل من قيمة الدولار الأمريكي ويرفع سعر الذهب".
من ناحية أخرى، فإن استمرار المخاطر الجيوسياسية، وخاصة اقتراب السفن الحربية الأمريكية من المنطقة، قد زاد من مخاطر المواجهات، سواء كان ذلك هجوماً جديداً على إيران أو فشل المفاوضات المتعلقة بوقف إطلاق النار في أوكرانيا. هذا الوضع يدفع أسعار الذهب إلى مزيد من الارتفاع.
إن توقعات يونس سيد أحمد لمستقبل أسعار الذهب لافتة للنظر. يقول: "سعر الأونصة الواحدة سيتجاوز 3,500 و 3,525 دولاراً إذا خفض البنك الفيدرالي الأمريكي سعر الفائدة ثلاث مرات هذا العام. وفي السوق المحلية، سيصل سعر المثقال الواحد من الذهب إلى ما بين 700,000 و 725,000 دينار عراقي".
توقعات أسعار الذهب
في الختام، نستعرض التوقعات لأسعار الذهب:
•المدى القصير: سيصل سعر الذهب خلال الأسبوع أو الأسابيع القليلة القادمة إلى 3500 دولار، خاصة إذا زادت المؤشرات على خفض أسعار الفائدة.
•المدى المتوسط (6 إلى 12 شهراً): تُعد توقعات غولدمان ساكس بوصول السعر إلى 3,700 دولار بحلول نهاية عام 2025 احتمالاً قوياً بسبب استمرار شراء البنوك المركزية للذهب. كما أن الطلب من صناديق الاستثمار يمكن أن يحقق توقعات جي بي مورغان بوصول السعر إلى 4,000 دولار بحلول منتصف عام 2026.
•المدى الطويل (3-5 سنوات): إن سياسة تنويع احتياطيات البنوك، وانخفاض المعروض من الذهب المادي في السوق، وعدم الاستقرار السياسي العالمي، يمكن أن ترفع سعر الذهب إلى عدة آلاف من الدولارات، وربما يتجاوز 5000 دولار.
*مسؤول الديسك الاقتصادي في شبكة رووداو الإعلامية



