ما أن سقط نظام الأسد، ووصلت الفصائل المسلّحة بقيادة هيئة تحرير الشام إلى دمشق، تلاقت أصوات معظم القوى السياسية والمجتمعية في سوريا، بمختلف توجّهاتها الفكرية، على ضرورة الشروع بالعمل على عقد مؤتمر وطني سوري جامع يضمّ الممثلين الحقيقيين لجميع المكوّنات القومية والدينية والطائفية للخروج بمشروع سياسي وطني يؤسّس لبناء سوريا ما بعد الاستبداد. وفي حالة فريدة، لم يختر أيّ طرف من الأطراف السورية طريق الصدام مع السلطة الوليدة، بل عمد الجميع إلى خيار منحها الفرصة والاستعداد لمساعدتها والتشارك معها في إيصال سوريا إلى الأهداف الوطنية الجامعة.
لكنّ الذي حصل هو عكس ما كان مأمولاً، حيث عمدت هيئة التحرير وحلفاءُها إلى عقد اجتماع عسكري ارتجالي للفصائل المسلّحة اقتصر جدول عمله على أخذ بيعة قادة الفصائل لزعيم الهيئة رئيساً لسوريا، ليتفرّد هذا الأخير باتّخاذ القرارات المصيرية بشأن تشكيل لجنة تحضيرية لمؤتمر الحوار الوطني، موالية للسلطة الوليدة، نظّمت مؤتمراً ارتجالياً في يومي 24 و25 فبراير. ورغم أنّ أحد أهداف المؤتمر كان "إطلاق حوار وطني شامل يضمن مشاركة الجميع في صناعة القرار السياسي"، إلّا أنّه لم يفضِ سوى إلى إطلاق يد الرئيس الانتقالي في شؤون البلاد.
وكذلك تشكيل لجنة لصياغة الإعلان الدستوري في الثاني من مارس 2025، والتي سلّمت المسودة في 12 مارس، ووقّع الشرع عليها في اليوم التالي، وذلك بعد ثلاثة أيام فقط من توقيعه اتفاقية 10 مارس مع الجنرال مظلوم عبدي، القائد العامّ لقوات سوريا الديمقراطية، التي نصّت في بندها الأوّل على " ضمان حقوق جميع السوريين في التمثيل والمشاركة في العملية السياسية وكافة مؤسسات الدولة بناء على الكفاءة بغض النظر عن خلفياتهم الدينية والعرقية"، وهذا ما يناقضه تماماً الإعلان الدستوري الذي يحصر جميع الصلاحيات في يد الرئيس المؤقّت. ثمّ أعلن الشرع في 29 مارس عن حكومة مؤقّتة برئاسته، ضمّت في مفاصلها الرئيسية شخصيات قيادية من هيئته. لم تكتف السلطة المؤقّتة بالاستفراد بتصميم الهيكل الدستوري والسلطة التنفيذية، بل قرّرت الاستيلاء على السلطة التشريعية المؤقّتة المزمع تشكيلها، في أواسط سبتمبر المقبل، عبر آلية تعتمد في الحقيقة التعيين المباشر تارة، من خلال تعيين 70 عضواً من قبل الرئيس المؤقّت، وغير المباشر تارة أخرى، من خلال تعيين 140 عضواً من قبل اللجنة العليا للانتخابات المشكّلة من قبل الشرع نفسه.
كلّ هذه الخطوات السابقة جرت بإقصاءٍ تامّ لجميع المكوّنات السوريّة بما فيها التيّار المعتدل من الطائفة السنّية، ولجأت السلطة إلى تغطية هذا الإقصاء بتزيين حكومتها ولجانها بشخصيات من مكوّنات لا تمثّلها تمثيلاً حقيقيّاً. لكن الأخطر من كلّ هذا هو أنّ السلطة اختارت سبيل العنف مع المكوّنات، بدءاً من الحرب على قسد في منبج وسدّ تشرين، عبر الفصائل المنضوية في وزارة دفاعها، ومروراً بالبطش بالعلويين في الساحل، ووصولاً إلى التنكيل بالدروز في ريف دمشق والسويداء. كما أنّ غضّ الطرف عن نشاط التيارات الجهادية والتكفيرية في كبرى المدن السورية أتاح لها تفجير كنيسة مار إلياس في دمشق.
كلّ هذا أفقد المكوّنات السورية الثقة بسلطة دمشق، وأحبط رعاتها الدوليين والإقليميين من أدائها، الأمر الذي أوصل المكوّنات إلى القناعة بأفضلية المراهنة على مشروع قوات سوريا الديمقراطية التعددي لا مشروع دمشق الفئوي الأحادي الإقصائي، وهو ما دفعها إلى المشاركة في مؤتمر الحسكة الذي دعا في بيانه الختامي إلى "بناء مشروع وطني جامع يسير بسوريا نحو الاستقرار والسلام المستدام".
في الحقيقة، كان مؤتمر الحسكة الذي نجح في استقطاب كلّ المكوّنات السورية وإيصال رسالة إلى المجتمع الدولي والإقليمي مفادها أنّ هذا المشروع الذي ترعاه قوات سوريا الديمقراطية هو مشروعٌ وطنيٌّ قادرٌ على إنقاذ سوريا وحماية مكوّناتها، فرصة لسلطة دمشق لكي تتلقّف نتائجه الوطنية وتجعلها مدخلاً للتصالح مع المكوّنات وانخراطها معها في حوارٍ وطنيٍّ جامعٍ يفتح الأبواب أمام سوريا لسلوك طريقٍ سلميٍّ حواريٍّ آمنٍ. لكن الموقف الانفعالي للسلطة المنافي لسلوك دولة في إدانة المؤتمر والتراجع عن المشاركة في مباحثات باريس المرتّبة برعاية دولية واسعة، يضعها قبل سواها في مأزقٍ حرجٍ. إنّ رفض السلطة للحوار يدفعها نحو خيار المواجهة التي ستُلقي بسوريا في مسارٍ كارثيّ النتائج.



