كركوك المدينة الكوردستانية الغنية بالنفط والتي تمتاز بموقع جيوسياسي مميز كانت وما تزال المحور الرئيس للخلافات بين الكورد والسلطات في بغداد، نعم هناك مدن ومناطق كوردستانية لا تقل أهمية عن كركوك بالنسبة للكورد كخانقين وجلولاء وسنجار وشيخان ومندلي وبدرة وجصان وزرباطية، لكن كركوك مفتاح الحل الرئيسي للخلافات المستعصية بين الكورد وبغداد خلال العقود الماضية من الصراع الدامي.
بعد التغيير الذي حصل في 2003 وبدء حقبة سياسية جديدة من تأريخ العراق المعاصر ووصول قوى المعارضة العراقية للسلطة، كان لابد من أخذ الدروس والعبر من الماضي ووضع حل جذري لمشكلة دامت حوالي سبعة عقود، حيث تم وضع المادة 58 من قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية لحل المشاكل في المناطق الكوردستانية خارج الإقليم، ولكن عملية التسويف والمماطلة التي مارستها ماكان يسمى بمجلس الحكم آنذاك في تنفيذ المادة المذكورة، رحل المشكلة الى مابعد كتابة الدستور الدائم ونقلها الى المادة 140 من الدستور الدائم التي حددت لها سقف زمني نهاية 2007 لتنفيذها عبر ثلاث مراحل التطبيع والاحصاء والاستفتاء.
لكن جميع الحكومات التي توالت على حكم العراق بعد 2003 تنصلت عن تنفيذ المادة المذكورة بحجج وذرائع مختلفة، حتى أحداث 17 اكتوبر عام 2017 عندما دخلت قوات الجيش والحشد الشعبي تلك المناطق باستخدام القوة في حين المادة التاسعة اولا من الدستور تنص على انه (لايجوز استخدام او زج القوات المسلحة في الخلافات السياسية ولا دور لها في تداول السلطة). وبذلك تم فرض واقع جديد على المناطق الكوردستانية خارج الاقليم وماتزال المشكلة عالقة كقنبلة موقوتة يمكن أن تنفجر في أي لحظة والعودة إلى المربع الأول.
منذ 2017 والى اليوم تعرضت كركوك وبقية المناطق الكوردستانية المشمولة بالمادة 140 الى عمليات تعريب جديدة وتغيير ديمغرافي بوتيرة أسرع من السابق وتمت إعادة غالبية الوافدين الذين تم تعويضهم واعادتهم إلى مناطقهم الأصلية، وجلب أعداد جديدة من مواطني المحافظات الأخرى الى كركوك على وجه التحديد عبر الاغراءات المادية وتوزيع الاراضي السكنية والزراعية عليهم ومنحهم قروض بغية تغييرالواقع الديمغرافي لحسابات مستقبلية.
واليوم تم زج الجيش العراقي في عملية التعريب، بحيث تقوم القوات العسكرية فرض طوق امني على القرى الكوردية التابعة لمحافظة كركوك ومنع المزارعين من مزاولة اعمالهم الزراعية اليومية ويقومون كذلك بأعتقال الفلاحين الكورد أصحاب الأرض الحقيقيين حين العمل في اراضيهم الزراعية التي ورثوها ابا عن جد.
وسط هذا الجو المشحون والضبابي والملبد بالبارود، نحن على أبواب انتخابات مجالس المحافظات في شهر كانون الثاني من العام الحالي والتي ستكون مهمة جدا وربما مفصلية لجميع مكونات كركوك، وعلى الرغم من الضغوطات الكبيرة التي تمارس على سكان تلك المناطق، ما تزال الخلافات والصراعات السياسية بين القوى الكوردستانية في أوجها، ولم تصل تلك القوى إلى اتفاق بالمشاركة في تلك الانتخابات بقائمة واحدة لإعادة الأمور إلى نصابها وإيجاد توازن جديد في تلك المناطق.
الآن باتت جميع القوى الكوردستانية مقتنعة أن المشاركة في انتخابات مجالس المحافظات المقبلة في كركوك بقائمة واحدة صعبة بل شبه مستحيلة، ولكن الغالبية تدرك خطورة الموقف وتعتقد أن المشاركة بقائمتين منفصلتين سوف تقلل من الأضرار بالجانب الكوردي، ورغم ذلك حتى تشكيل القائمتين ماتزال مجرد أحاديث في الأوساط الاعلامية وكلا الحزبين الرئيسيين يحاولان استقطاب القوى الكوردستانية الصغيرة لجانبها لتحقيق نتائج افضل في تلك الانتخابات.
بالنظر لهذا الواقع الصعب والخطير أقترح على الحزب الديمقراطي الكوردستاني خوض غمار تجربة جديدة في كركوك والمناطق الكوردستانية خارج الإقليم والعمل في اتجاهين، الأول استقطاب مايمكن استقطابه من القوى الكوردستانية المتواجدة في تلك المناطق والاتجاه الثاني خوض غمار تجربة جديدة والتحرك على الأحزاب والقوى التركمانية والعربية المعتدلة التي تربطهما مصالح مشتركة مع الكورد وتشكيل قائمة كوردستانية تشمل القوى السياسية الكوردية والتركمانية والعربية والاتفاق على توزيع المناصب فيما بينهم مستقبلاً على ضوء النتائج التي ستحققها في تلك الانتخابات.
تعليقات
علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر
أضف تعليقاً