الكورد وسوريا.. معركة الوحدة الحقيقية بين التنوع والإنكار

01-05-2025
كاميران حاج عبدو
الكلمات الدالة الكورد سوريا
A+ A-
في لحظة مفصلية من تاريخ سوريا المضطرب، وفي خضم محاولات مختلف القوى السياسية والاجتماعية لصياغة مستقبل جديد للبلاد، عقدت أحزاب الحركة السياسية الكوردية كونفرانساً هاماً تحت عنوان «كونفرانس وحدة الصف والموقف الكوردي»، يوم السادس والعشرين من نيسان 2025. 
 
في هذا اللقاء التاريخي، طرحت القوى الكوردية رؤيتها السياسية المشتركة، التي لم تقتصر على معالجة القضية الكوردية فحسب، بل تناولت أيضاً مستقبل سوريا بأكملها وسبل إعادة توحيد هذه الدولة التي أنهكتها الحرب والاحتلالات منذ آذار ٢٠١١، مؤكّدة التزامها ببناء دولة ديمقراطية بعيداً عن الحكم المركزي المقيت، تقوم على قيم العدالة، والمساواة، والحرية، ضمن إطار وحدة وطنية طوعية راسخة.
 
مع ذلك، لم تتأخر ردود الأفعال كثيراً، إذ سارع رئيس سوريا المؤقت، السيد أحمد الشرع، إلى التصريح بأن «وحدة سوريا وشعبها خط أحمر»، في إشارة مبطنة إلى تخوُّفات من أن الوثيقة الكوردية تحمل نيات انفصالية. كما تعالت، بالموازاة، أصوات عنصرية وحملات تخوين، سعت إلى تشويه المبادرة الكردية واتهام الكورد زوراً بالسعي إلى تفكيك الدولة وتهديد وحدة أراضيها.
 
في المقابل، كانت هناك ردود أفعال وأصوات من الإخوة السوريين اتسمت بالإيجابية والمسؤولية، حيث عبر أصحابها عن دعمهم للمبادرة الكوردية ومساندتهم لمشروع بناء وطن ديمقراطي تعدُّدي. وهؤلاء نشدُّ على أيديهم، وندعو إلى العمل معاً، لأنّ التغيير الحقيقي لا يُبنى إلا بالشراكة بين جميع أبناء الوطن.
 
إن قراءة متأنية لمضمون الوثيقة الكوردية تكشف بجلاء أن هذه الاتهاماتِ تفتقرُ إلى أيِّ أساسٍ موضوعيٍّ. فقد أكّدت القوى الكوردية بكلّ وضوح تمسُّكها بوحدة سوريا، لكنها دعت إلى إعادة بناء هذه الوحدة على أسس جديدة تضمن اعترافاً حقيقياً بالتعدد القومي والديني والثقافي الذي يشكل ثراء المجتمع السوري. كما شددت الوثيقة على ضرورة سنّ ضمانات دستورية لحماية الحقوق الإدارية والثقافية والسياسية لجميع المكونات، دون استثناء أو تمييز. لم يكن الهدف من هذه الرؤية قط التفكيك أو الانفصال، بل السعي إلى وحدة وطنية حقيقية، تقوم على أسس سليمة من العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية. وحدة تدرك أن التعدُّديةَ قوةٌ يجب الاعتراف بها وحمايتها، لا مصدر تهديد ينبغي قمعه أو تجاهله.
 
  وهنا، يفرض علينا الواقع أن نتساءل بمرارة: من هو الانفصالي الحقيقي؟ أهو الذي يطالبُ بوطنٍ يساوي بين جميع أبنائه بغضِّ النظر عن انتماءاتهم القومية أو الدينية أو الثقافية؟ أم ذاك الذي يحتكر الهوية الوطنية، رافضاً الاعتراف بالآخر المختلف، ساعياً لفرض لون واحد على لوحة الوطن المتعددة؟ إن الانفصالي الحقيقي ليس مَنْ يطالبُ بحقوقه المشروعة، ولا مَنْ يسعى إلى صون كرامته وهويته، بل هو ذاك الذي ينكر وجود الآخرين، ويمارسُ التمييز والإقصاء، ويحاولُ تحويل التعدد إلى جرم، والمطالبة بالعدالة إلى تهديد مصطنع للوطن.
 
حين تغلق السلطة أبواب العدالة، وتتحول المطالب المشروعة إلى تهم بالخيانة والانفصال، يصبح الدفاع عن الحرية والكرامة ضرورة وجودية لا خياراً فحسب. فالاتحاد الحقيقي لا يُبنى بالقسر والقمع، بل بالقبول الطوعي، والاعتراف المتبادل، والشراكة العادلة. لقد أثبتت تجاربُ الشعوب أن الدولَ التي تتأسس على قيم العدل والمساواة تظل موحدة وقوية، بينما تتّجه الدول التي تعتمد الإقصاء والإنكار نحو التمزُّق والانهيار. وقد أثبتت تجاربُ الشعوب أن الاعتراف بالتعدُّدية واحترامها هو السبيل الحقيقي لبناء دول موحدة وقوية. ففي سويسرا، على سبيل المثال، حافظت الفيدرالية على التعددية والوحدة، مستندة إلى نظام سياسي قائم على احترام الخصوصيات اللغوية والثقافية والإثنية. وفي جنوب أفريقيا، أفضى الاعتراف بالتنوُّع إلى مصالحة وطنية حقيقية أنهت عقوداً من التمييز العنصري. هذه النماذج الناجحة لم تكن نتاج المصادفة، بل ثمرة إرادة سياسية شجاعة واجهت تحديّات الماضي واحتفت بالتعدُّد بدلاً من قمعه. أما حين أُنكرت التعددية، كما في يوغوسلافيا، سقطت الدولة في أتون الحروب الدامية. وها هي سوريا نفسها تدفع ثمناً باهظاً لسياسات الإقصاء والإنكار.
 
إنّ الدرسَ واضحٌ: التعددية حين تُحترم تُبني الأوطان، وحين تُقمع تُدمَّر. فالوطن الذي لا يتسع لجميع أبنائه، يتحول مع الزمن إلى وطن بلا روح ولا مستقبل.
 
اتهام الكورد بالسعي للانفصال، رغم تأكيدهم الصريح على وحدة سوريا، يعكسُ أزمةً ذهنيةً متجذّرةً أكثر ممّا يعبر عن حقائق الواقع. إنها ذهنية تخشى التعدد، وترى في التنوع خطراً بدل أن تعتبره مصدر قوة وغنى.
 
إن استعادة سوريا لوحدتها وقوتها لن تتحقق بالخُطَب والشعارات، بل بالاعتراف الصادق بمكوّناتها كافة، وبسنّ دستورٍ ديمقراطيٍ ينسجم مع الحقائق التاريخية والجغرافية لسوريا، ويضمن المساواة التامة في الحقوق والواجبات، ويرسّخ ثقافة وطنية جديدة تحتفي بالتنوُّع لا تُنكره.
 
في النهاية، إذا كانت هناك رغبة صادقة في بناء سوريا جديدة موحّدة وقوية، فلا بد من الاعتراف بهذه الحقيقة البسيطة: لا وحدةَ بلا عدالة، ولا عدالةَ بلا اعتراف، ولا اعترافَ بلا مساواة كاملة لكل السوريين، بكلّ ألوانهم وأصواتهم وهوياتهم. فلنبنِ معاً سوريا التعددية التي نستحقها جميعاً.
 

تعليقات

علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر

أضف تعليقاً

النص المطلوب
النص المطلوب
 

آخر الأخبار

فينوس بابان

سيادة تحت الأنقاض... اختراق النخيب وانكسار الدرع العراقي

في العلم الجيوسياسي، تُقاس قوة الدولة بقدرتها على تحويل جغرافيتها من رقعة شطرنج للآخرين إلى درع سيادي لمواطنيها، إن ما كشفته التقارير الدولية مؤخراً حول وجود موقع عسكري فائق السرية في قلب صحراء النخيب، ليس مجرد سبق صحفي بل هو لحظة مكاشفة استراتيجية تعيد تعريف مفاهيم الأمن القومي العراقي في عام 2026، نحن لا نتحدث هنا عن خرق حدودي نمطي بل عن ولادة نمط هجين من الوجود العسكري الذي يستثمر في التكنولوجيا والفراغات الجغرافية ليحولها إلى منصات استباقية تقلب موازين الردع في المنطقة