يُقال، إن سيارة الملك فيصل الثاني تعطلت ذات مرة، فبادر الناس إلى حملها على أكتافهم، وبعد أشهر قليلة قتلوا الملك وعائلته صبيحة انقلاب 14 تموز 1958، وسحل الغوغاء جثث خاله الوصي الأمير عبد الإله ورئيس الوزراء الباشا نوري السعيد.. وفي 8 شباط 1963 عندما حُصر عبد الكريم قاسم، الذي يلقبه البعض بزعيم الفقراء، في مبنى وزارة الدفاع، لم يهرع أيٌّ من الفقراء ببغداد، وكانوا يشكلون الغالبية العظمى، لنجدته، وبعد إعدامه في ذات اليوم في مبنى دار الإذاعة العراقية، ادعى الفقراء أنهم شاهدوا صورته في القمر، بينما لم يعثروا على قبره الحقيقي.. وصدام حسين الذي قيلت فيه مئات الآلاف أو أكثر من القصائد والمقالات والأغاني ورُسمت صورته وجسّد النحاتون هيئته وكانت تحميه جيوش أمنية حصينة، وجد نفسه وحيداً أمام حبل المشنقة.
ربما حكاية رفع سيارة الملك غير حقيقية وتم تأليفها لأغراض المبالغة في حب الشعب لملكه، ومن المؤكد أن صورة الزعيم لم تظهر لا في القمر الحقيقي ولا حتى في الأقمار الصناعية، مع أنه عُرف عن عبد الكريم قاسم تواضعه وعدم مرافقة أية حمايات أو حرس في جولاته بين الناس في المناطق الشعبية. لكن الناس هم من ألهته. وصدام حسين وخلال سنوات حكمه القاسية على العراقيين لم يكن يتوقع هذا المصير بعد أن تم تأليهه ووصفه كسادس الخلفاء الراشدين، باعتبار أن الخليفة عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين لعدله، وهو من صدّق هذه الأوصاف وأطلق على نفسه تسمية "عبد الله المؤمن"، وكان هو من يخطط لتأليه صورته وشخصه ويمنح الأموال والامتيازات لمن يكتب فيه الشعر أو المقالة أو يرسمه بأجمل صورة أو يجسده بأروع نحت.
أما الرئيس أحمد حسن البكر، وحسب ما نقل أحد مرافقيه، بأنه كان يتمشى ذات يوم في حدائق القصر الجمهوري فشاهد بعض جنود حماية القصر يتناولون طعام غدائهم على صورته، يعني استخدموا صورته (كشرشف) مجاني، فارتبك الجنود، لكن البكر نظر إلى الصورة وأصدر أمراً بعدم طبع صوره. وأنا هنا لا أمتدح البكر بل أذكر حادثة ربما كانت حقيقية أو مزيفة، بالرغم من أنه عُرف بتواضعه.
تأليه المسؤول في العراق تحوّل إلى ثقافة شعبية، لم تكن معروفة في عهد ما قبل الانقلابات العسكرية، أي في العهد الملكي الذي عُرف بتواضع رجاله من قادة سياسيين وبرلمانيين وزعماء عسكريين. خلال أحاديثي مع عميد الدبلوماسية العراقية الراحل عدنان الباجه جي وأنا أسجّل مذكراته، قال عن تواضع المسؤولين في العهد الملكي: "كان والدي رئيساً للوزراء ووالد زوجتي علي جودت الأيوبي رئيس وزراء سابق يقطعان شارع الرشيد مشياً من منطقة السنك حيث كنا نقيم إلى (باب الآغا) لشراء الفواكه من شخص يعرفونه، ويعودان سيراً على أقدامهما وهما يقدمان بعض الفواكه لمن يلاقيهما ويسلم عليهما، لم يرافقهما أي حماية أو حرس فهذا عيب ويدل على عدم ثقتهم بالناس.. وكان أمام باب بيت الباشا نوري سعيد شرطي واحد لا يرافقه في جولاته."
لكننا نجد اليوم شوارع العراق مؤثثة بمختلف الصور، بل إن بعض الوزارات يضعون صور وزرائهم في مكاتبهم.
الشعوب هي التي تقترف إثم تأليه المسؤولين، لا نريد هنا أن نقارن العراق ببقية الدول المتحضرة التي يُمنع فيها وضع صور لملوكها أو رؤسائها في المناطق العامة، لكننا نشاهد اليوم انتشار آلاف الصور لهذا وذاك، لقادة أحزاب دينية وسياسية، بل إن بعض موظفي الوزارات وضعوا صور الوزير في أروقة ومكاتب الوزارة، وعاد الشعراء الشعبيون لتأليه شخصيات لم تقدّم أي شيء للعراق والعراقيين، أو من يطلق عليهم وصف (المحللين السياسيين) الذين جعلوا من هذا المسؤول أو ذاك بطلاً وطنياً وبرّروا فساده وأخطاءه التي لا تُغتفر، وقدّسوا من أوغل في القتل والتخريب وفضّلوه على الوطن والمواطن.
يا سادة يا كرام، الوطن هو المقدس الأول الذي يستحق أن نؤلهه، لأننا بلا وطن نفقد وجودنا وكرامتنا وشرفنا وتاريخنا ومستقبلنا.. المواطن الذي ضحّى وما يزال من أجل العراق هو من يستحق التقدير، وليس المسؤول الذي أوغل في تحويل حياتنا إلى جحيم.
