رووداو – أربيل
عندما بدأت الحرب الأهلية السورية، كانت الحكومة التركية تصف المهاجرين السوريين بـ"الأخوة الضيوف"، وقد أضحت تركيا الآن، مع وجود نحو 3.5 مليون مهاجر على أراضيها، أكبر مستضيف للمهاجرين في العالم، لكن الأزمة الاقتصادية وضغط اللاجئين على البنية التحتية الاقتصادية، أقنعت الحكومة والشعب التركيين بأنه قد آن أوان إعادة هؤلاء "الأخوة" إلى ديارهم.
بارزان رمو والعائلة المشتتة
في دير الزور، وعند اشتداد المعارك بين قوات النظام والمعارضة السوريين، استقل بارزان رمو وعدد من زملائه في الجامعة جافلة صغيرة، وغادروا مدينتهم إلى القامشلي، لكن الحرب أمسكت بخناق عائلته الكوردية في القامشلي أيضاً، كان أخوه ريزان قد أكمل الخدمة العسكرية للتو، لكن الحكومة دعته للخدمة من جديد، وجمال، والد بارزان، يعاني من مرض القلب، وكانت أمه، هيفاء، تريد أن تنقذ أبناءها من أتون الحرب.
هيفاء، التي تقيم في أسطنبول حالياً، تقول لمجلة (نيوزويك) الأمريكية: "قلت لهم اذهبوا وابدأوا حياة آمنة"، فتوجه الأخوان إلى تركيا، وبعدها توجهت هيفاء والأخوين وأختين لبارزان إلى تركيا.
بنيت سياسة استقبال المهاجرين السوريين على أساس توقعات خاطئة منذ البداية، حيث توقعت الحكومة التركية والدول الأخرى المنضوية في الجبهة المعادية لبشار الأسد، أن سقوط النظام وشيك جداً، وأن مئات آلاف المهاجرين إلى البلاد سيعودون إلى ديارهم قريباً جداً. لكن الحرب الأهلية السورية طال أمدها وتكاد تدخل عامها الثامن، والأسد الآن أقرب من أي وقت مضى إلى تحقيق النصر على المعارضة، وأغلب المهاجرين إلى الدول المجاورة لسوريا لا يعرفون ماذا سيكون مصيرهم في حال عودتهم إلى ديارهم.
سلك بارزان وريزان في العام 2014 الطريق إلى ألمانيا، لكن حكومة برلين لم تمنح الأخوين حق الإقامة، وبهذا قضت على حلمهما في بدء حياة جديدة.
يعمل ثلاثة من أخوة وأخوات بارزان حالياً في معمل خياطة لمدة 12 ساعة يومياً، ويرتاد أخوه محمد البالغ 12 سنة، المدرسة في الصباح ويعمل بعد الظهر على نقل منتجات المعمل، تشكو عائلة رمو من أن مالك المعمل يعطي أجوراً أقل للسوريين، وهم يبعثون بأغلب ما يكسبونه من عملهم إلى سوريا لينفقه جمال على شراء دواء مرض القلب، وتقول هيفاء: "أوضاعنا تتدهور يوماً بعد يوم".
المهاجرون السوريون بين خيارين أحلاهما مرّ
تعيش عائلة بارزان، وملايين المهاجرين السوريين أوضاعاً لا تضع أمامهم خيارات تصب في صالحهم، فمن الممكن في حال عودتهم إلى سوريا إرسالهم إلى جبهات القتال، ويصبحوا وقوداً لحرب طائفية وقومية أو أن يجبَروا على العودة إلى مناطقهم التي تفتقر إلى كل الخدمات، وإذا بقوا في تركيا، فإنهم سيُحرمون كعائلة بارزان من أبسط الحقوق، أو يتعرضون للإهانة من قبل السكان المحليين.
ويظهر استطلاع أن 80% من مؤيدي حزب العدالة والتنمية يرغبون في إعادة المهاجرين السوريين، في حين لا يريد نصف السوريين العودة. يقيم الآن نصف مليون مهاجر في إسطنبول، ويشكل المهاجرون 30% من السكان في بعض مناطق كوردستان تركيا.
تركيا واحدة من الدول الموقعة على معاهدة اللاجئين الأممية في العام 1959، ومع ذلك فإن تركيا تمنح حق اللجوء للأوروبيين حصراً، ولهذا اتبعت في العام 2011 سياسة استقبال "الضيوف" تجاه المهاجرين السوريين، وهي سياسة رغم أنها كريمة جداً من حيث الاسم فإنها تحرم المهاجرين من كثير من الحقوق عملياً.
وعن اختيار سياسة "الاستضافة" تجاه المهاجرين السوريين، قال المدرس في جامعة باخجة شهر في إسطنبول، هندي باركر، للمجلة الأمريكية: "كان أردوغان يريد أن يحول استقبال المهاجرين السوريين كضيوف إلى رأسمال سياسي"، أي أن يظهر نفسه بمظهر الزعيم الديني الذي يحتضن مئات آلاف المسلمين بينما لا تقدم لهم الدول المتقدمة شيئاً.
خلال العامين 2015 و2016، تحولت قضية المهاجرين من أزمة إنسانية إلى أخرى سياسية، فقد وقع الاتحاد الأوروبي وتركيا، في أواخر 2015، اتفاقاً يسمح لليونان بترحيل المهاجرين غير الشرعيين إلى تركيا. في المقابل، يستقبل الاتحاد الأوروبي مهاجراً في مخيمات تركيا لقاء كل مهاجر يتم ترحيله إلى تركيا. بهذا كان على الاتحاد الأوروبي أن يقلل 72 ألف مهاجر من المخيمات التركية، لكن تقرير نيوزويك يقول إنه منذ الإعلان عن الاتفاق تم نقل نحو 17 ألف مهاجر إلى أوروبا.
الإعادة الإجبارية
قال الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إن نصف مليون مهاجر سوري يريدون العودة إلى بلدهم، وأعلنت وزارة الخارجية التركية أن 260 ألف سوري عادوا من تركيا إلى المناطق التي تسيطر عليها تركيا في شمال سوريا، وتقول الحكومة التركية إن العودة يجب أن تكون "طوعية"، لكن منظمات حقوق الإنسان تتحدث عن حالات ترحيل قسري، وتقول إن منظمة الأمم المتحدة لا تشارك في العملية لأنها ترى أن الوضع في سوريا ليس آمناً حتى الآن.
جمال، واحد من المهاجرين، عاد مؤخراً ليزور حلب، ويتحدث عن رحلته لنيوزويك: "كانت رحلة صعبة جداً، كنا في كل لحظة مهددين بخطر التعرض للقصف أو الهجوم المسلح". عاشت عائلة جمال في السنوات الخمس الأخيرة في منطقة ريحانلي التركية، ويعتقد هو أن "العودة النهائية خطيرة جداً، وأنا مستعد للعودة إذا تحسنت الظروف".
يعمل عدد من الأطباء السوريين في إطار مجموعة شبكات ومنظمات على تقديم العلاج للمهاجرين السوريين، وخاصة النساء والأطفال منهم والذين يشكلون 60% من المهاجرين السوريين في تركيا. زياد جمعة، طبيب أطفال من إدلب، كان يعمل في عيادة في مدينة أنطاكيا، لكن عيادتهم أغلقت كالعديد من العيادات السورية الأخرى، حسب تقرير المجلة الأمريكية، وقد اقتنع المهاجرون السوريون بأن الحكومة تريد الضغط على السوريين لإجبارهم على اختيار "الترحيل".
ويقول زياد جمعة، الذي تعرضت عيادته في إدلب للقصف عدة مرات: "كانت عندي عيادتي في سوريا، وكنت أملك سيارتي ومنزلي، عملنا وحياتنا هنا أشبه بحلم مزعج، لا نصحو منه مهما حاولنا".



