رووداو ديجيتال
لفت الخبير في الشؤون العسكرية والاستراتيجية، اللواء الركن المتقاعد، الأكاديمي عماد علو الربيعي، إلى أن مصطلح "سحب السلاح" من الفصائل المسلحة يختلف عن "نزع السلاح" أو "وضعه تحت سيطرة الدولة"، موضحاً: "علينا أن نكون دقيقين في التعبير وتحديد المصطلح المضبوط، لأن كل مصطلح أو تسمية لها إجراءات يجب اتخاذها، ومن الممكن أن يكون أي إجراء يأخذ شكلاً قد لا يكون مريحاً للوضع الداخلي الأمني أو قد يكون في إطار قانوني ومن آليات وبرامج توضع مستقبلاً، لذلك فإن كون السلاح تحت سيطرة الدولة بالتأكيد سيكون عاملاً لتعزيز أمن وقوة وسطوة المؤسسة العسكرية الرسمية العراقية المرتبطة بالحكومة، وبالتالي هل هذا سيكون مريحاً بالنسبة للأوضاع السياسية التي تتمتع بشبه استقلالية؟".
وقال الربيعي لشبكة رووداو الإعلامية، اليوم الاثنين (22 كانون الأول 2025)، إن "عملية (سحب السلاح) لها إجراءاتها التي هي أخف شدة من عملية (نزع السلاح)، وتنفذ ضمن برنامج وآليات ستتبعها الجهات المكلفة بهذه العملية، وهي في الغالب جهات حكومية وأمنية. أما عملية (نزع السلاح) فيجب أن تكون لها آليات وبرامج قد تتدخل فيها رقابة دولية لأن فيها أبعاداً سياسية، إضافة إلى أن العملية يجب أن تكون ضمن اتفاقات مسبقة حتى لا تحدث تقاطعات أو يرفض قسم منهم نزع سلاحهم، إذ ليست كل الفصائل المسلحة متفقة على أيديولوجية أو أفكار واحدة، ومن ناحية الممارسات فكل فصيل لديه وجهة نظر، وقد يكونون غير متفقين في هذا المجال، وقد تكون هناك تقاطعات تؤدي إلى ردود فعل سلبية بين هذه الفصائل أو بينها وبين الأجهزة التي سوف تكلف بنزع السلاح".
وكانت فصائل عراقية مسلحة قد أعلنت بشكل مفاجئ عن تغيير في مواقفها من ملف حصر السلاح بيد الدولة، إذ أعلنت قيادات مهمة في الإطار التنسيقي الشيعي الحاكم، أهمية تنفيذ هذه الخطوة من أجل المضي بتشكيل الحكومة الجديدة. وأعقب ذلك تصريحات لقادة فصائل مسلحة وممثليها، انتهجت الخطاب ذاته بإعلان تأييدها الخطوة، كان أبرزها زعيم "عصائب أهل الحق"، قيس الخزعلي، وزعيم "أنصار الله الأوفياء"، حيدر الغراوي، وزعيم "كتائب الإمام علي"، شبل الزيدي، و"كتائب سيد الشهداء"، على لسان المتحدث باسمها كاظم الفرطوسي، الذي قال إنهم "منسجمون مع دعوات حصر السلاح بيد الدولة".
هذه التصريحات غير المسبوقة تزامنت مع تبنٍّ رسمي من قبل قادة "الإطار التنسيقي" لقضية "حصر السلاح بيد الدولة"، وجاءت أولى التصريحات من قبل رئيسي الوزراء السابقين نوري المالكي وحيدر العبادي، وزعيم تيار الحكمة الوطني عمار الحكيم. بينما أصدرت كل من "كتائب حزب الله"، و"النجباء"، الأقرب إلى إيران، بياناً مغايراً عندما أعلنتا رفضهما تسليم السلاح، منتقدتين بشكل ضمني القوى التي أعلنت ذلك، ومعتبرتين أن مسببات حمل السلاح ما زالت موجودة وهي وجود القوات الأميركية في العراق، وكذلك قوات حلف شمال الأطلسي، إلى جانب الوجود التركي شمالي العراق.
وأوضح الخبير الاستراتيجي والعسكري عماد علو الربيعي أن "هذه الفصائل تطوعت بإعلان رسمي بأنها سوف تسلم سلاحها، لكن يجب أن تكون هناك شفافية ولجان لجرد هذه الأسلحة"، متسائلاً: "كم أعداد هذه الأسلحة وما هي نوعياتها وأين سيتم استلامها وتخزينها، وماذا سيكون مصير ودور حاملي هذه الأسلحة وإلى أين سيتجهون؟ هل سيتم دمجهم بالمجتمع المدني ووظائف مدنية؟ هذه مسألة شائكة وتحتاج إلى وقت طويل وآليات عمل واضحة".
ونبه إلى أن ما طرحه مبعوث الرئيس الأميركي، مارك سافايا، لا يتعلق بنزع السلاح فقط بل بتفكيك الفصائل المسلحة، عندما قال: "يجب تفكيك جميع الفصائل المسلحة في العراق بشكل كامل وبيانات النوايا وحدها لا تكفي"، وهذه مسألة قد تتعارض مع ما هو مخطط له من أهداف وآمال من قبل الأحزاب والقوى السياسية التابعة لها والتي كانت تقول: "نحن نطالب باستحقاقاتنا لأننا دافعنا عن العراق وحاربنا تنظيم داعش ونحمي البلد ولنا جهد أمني واستخباري"، وهذه أمور يجب حسمها.. فهل ستقبل هذه الفصائل بفكرة تفكيكها؟ وماذا سيكون دورهم؟".
وحول مقترح دمج الفصائل المسلحة بالقوات المسلحة، قال الربيعي: "كان هناك أمر إداري من بول بريمر، الحاكم المدني للعراق، رقم 91 لسنة 2003، بدمج الأجنحة المسلحة، وكان عددها 9، بالجيش العراقي، وتم تنفيذه نسبياً وقسم منهم حملوا رتباً عسكرية عالية واليوم وصلوا إلى رتبة فريق أول، لذلك هذا الأمر ليس صعباً عليهم وبإمكانهم تنفيذه لكن تبقى المعارضة، هل سيتم إقحامهم في معاهد وكليات عسكرية تؤهلهم لرتب عسكرية، وماذا عن أعمارهم وإحالة قسم منهم على التقاعد". مشيراً إلى أن "هناك أموراً كثيرة تتعارض مع دمجهم وهم بمستويات قيادية، لذلك عندما طرح قانون الحشد الشعبي ولاحظوا أن هناك خللاً يتعارض مع مصالحهم الشخصية ومصالح فصائلهم وارتباطاتهم وغطائهم السياسي اعترضوا عليه".
وأكد عماد علو الربيعي، الذي كان آخر منصب شغله في الجيش العراقي، مدرساً أقدم بكلية الدفاع الوطني حتى عام 2003، أن "مطالبة واشنطن بحل الفصائل المسلحة لا تشمل الحشد الشعبي كونه يتمتع بغطاء قانوني، القانون رقم 40 لسنة 2016، وما يرتبط به من تعليمات تم إصدارها من قبل رئيسي الحكومة، حيدر العبادي وعادل عبد المهدي، وحسب الأمر الديواني 328 الذي وضع هيكلية معينة لعمل الحشد الشعبي وربطهم بقيادة العمليات المشتركة، وهذه الأمور تؤخذ بعين الاعتبار من قبل المطالبات الدولية وواشنطن حول حل الفصائل، وهناك اختلاف واضح للضغوطات التي تتعرض لها الحكومة والفصائل والتركيز على الفصائل التي تحمل السلاح خارج سيطرة الدولة حسب المصطلح المتداول".
وأوضح أن "السيطرة على السلاح مصطلح مطاطي ويمكن تأويله بعدة تفسيرات، وهو لا يشابه (نزع السلاح) أو (سحب السلاح)، فالسيطرة تختلف عن (النزع) أو (السحب)، فالأولى فيها بعد مادي وهو أخذ السلاح كمادة سواء كان سلاحاً خفيفاً أو متوسطاً أو ثقيلاً أو منشآت. أما السيطرة فيمكن أن تكون دمجاً للقوات المسلحة وتبقى الهيئات والأسلحة موجودة وتعني الارتباط بأوامر وتوجيهات القائد العام للقوات المسلحة وهي تختلف عن نزع أو سحب السلاح".
وخلص الخبير الاستراتيجي عماد علو الربيعي إلى القول: "نحن الآن أمام إشكالية تغيير القناعات داخل قوى سياسية كانت متفقة وهذا سيؤدي إلى صراعات وانشقاقات. نرى أن قسماً منهم كان يتفاخر بمقاومة المحتل والقوات الأميركية واليوم يتفاخر بأنه سوف يسلم سلاحه ويتجه للعمل السياسي، في حين هناك جهات أخرى ألقت عليهم اللائمة واستنكرت هذه المواقف، وهذا خلاف كبير سواء على المستوى الأيديولوجي أو مستوى الفعل المسلح الذي كان هؤلاء ملتزمين به، وأعتقد أنه سوف تظهر في الوقت القريب بعض الانشقاقات نتيجة هذه الصراعات".
تعليقات
علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر
أضف تعليقاً