رووداو ديجيتال
وسط مشهد ضبابي لما تحمله الأيام القادمة في جعبتها، يدخل العراق عام 2026 بتركة العام المنصرم يمسك بتلابيبها تذبذب أسعار النفط، وغياب موازنة فعلية لعام 2025.
إجراءات ضريبية ورسوم جديدة
ما إن أعلنت الجهات الرسمية تطبيق تعرفة جمركية على عدد من السلع المستودرة، حتى عجت مواقع التواصل بتحليلات ومخاوف من ارتفاع تكلفة المعيشة في البلاد.
البعض راح يتهكم بطريقة السخرية المُرة تغذيها مخاوف من تسريح أعداد من الموظفين، مع اقتراحات لتقليل منافذ الإنفاق الحكومي غير الضرورية كما يراها الناس، أبرزها "تخفيض مخصصات نواب البرلمان والحمايات والمستشارين، وغيرها الكثير من التعليقات التي تملأ المواقع العراقية".
الخطوة وبحسب الجهات الرسمية تهدف إلى "تعظيم الإيرادات غير النفطية" وتقليل الاعتماد على عائدات النفط، لمواجهة الضغوط على الموازنة، في وقت لم تعد فيه أسعار النفط مضمونة أو مستقرة.
إعادة العمل بضريبة 20% على بطاقات تعبئة الهاتف النقال وخدمات الإنترنت، أثارت هي الأخرى جدلاً شعبياً، وسط مخاوف من إجراءات ربما تكون أكثر قسوة على الناس.
2025 مرّ بلا موازنة تفصيلية
رغم وجود قانون موازنة ثلاثية للأعوام 2023–2025، إلا أن جداول موازنة 2025 التفصيلية لم تُقرّ حتى الآن، وهو ما أكدته تصريحات لأعضاء في اللجنة المالية النيابية.
عضو اللجنة المالية النيابية النائب معين الكاظمي قال في أكثر من مناسبة إن الحكومة لم ترسل الجداول إلى البرلمان، معتبراً أن البلاد عاشت فعلياً سنة مالية بلا موازنة واضحة، الأمر الذي أربك التخطيط وأضعف الرقابة على الإنفاق.
بدوره، أشار النائب حسين مؤنس رئيس حركة حقوق إلى أن غياب الجداول لا ينسجم مع قانون الإدارة المالية، محذراً من أن استمرار هذا النهج "يُدخل الدولة في دوامة إنفاق غير منضبط، ويحمّل الحكومات المقبلة أعباءَ إضافية".
موازنة 2026.. "صعبة" بانتظار الحكومة الجديدة
في هذا السياق، وصف مسؤولون وخبراء اقتصاديون موازنة 2026 بأنها ستكون صعبة، لا سيما أنها تأتي في مرحلة انتقالية بانتظار تشكيل حكومة جديدة، لا تزال فيها معادلة التجاذبات والتنافرات غير مكتملة، وفي ظل واقع مالي غير مستقر.
المستشار المالي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، توقع أن تبنى موازنة 2026 على متوسط سعر يتراوح بين 55 و62 دولاراً لبرميل النفط، وهو مستوى قد لا يكون كافياً لتغطية الإنفاق الواسع إذا ما انخفضت الأسعار أو تراجعت الصادرات.
الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي نشر تدوينة على موقع "أكس" بتاريخ 2 كانون الثاني 2026 قائلاً إن "العراق يخوض معركة على الرواتب" في ضوء ضعف الإيرادات النفطية مقارنة بحجم الالتزامات الشهرية.
وقال في تدوينته: "الاعتماد المفرط على النفط يجعل أي موازنة في ظل أسعار متذبذبة أقل قدرة على تلبية الالتزامات الأساسية".
النفط بين إيران وفنزويلا
يزيد المشهد تعقيداً ما يجري خارج الحدود. فالاضطرابات في إيران ترفع منسوب القلق في أسواق الطاقة، وتضيف ما يطلق عليه اقتصادياً مصطلح "علاوة مخاطر" على أسعار النفط، ما قد يدعم الأسعار مؤقتاً.
في المقابل، فإن الحديث عن زيادة محتملة في صادرات فنزويلا النفطية، في حال تخفيف العقوبات، يشكل عامل ضغط معاكس قد يدفع الأسعار للانخفاض.
ويقول الخبير النفطي حمزة الجواهري إن "العراق لا يستطيع بناء موازنة مستقرة على سوق نفط يتأرجح بين أزمات سياسية وزيادات مفاجئة في المعروض"، عادّاً هذا التذبذب التحدي الأكبر أمام الحكومة المقبلة.
إقليم كوردستان
في إقليم كوردستان، يسبق الحديث عن الأرقام أي نقاش سياسي، لأن تأثير الموازنة ينعكس مباشرة على رواتب الموظفين واستقرار الحياة اليومية.
رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني كان من أوائل المسؤولين الذين علّقوا على مسار الموازنة الاتحادية، مرحّباً بإقرار قانون الموازنة الثلاثية، ومؤكداً في بيانات رسمية أن الإقليم ينظر إلى الموازنة باعتبارها استحقاقاً دستورياً يجب أن يُنفّذ لا أن يُدار بالأزمات.
نيجيرفان بارزاني شدّد على أن الحوار مع بغداد هو الطريق الوحيد لحل الخلافات المالية، وعلى ضرورة إبعاد قوت المواطنين وحقوق الموظفين عن التجاذبات السياسية.
رئيس وزراء إقليم كوردستان مسرور بارزاني قال إن حكومته أوفت بالتزاماتها المالية، وتسعى إلى تفاهمات واضحة مع الحكومة الاتحادية، مؤكداً أن الحل لا يمكن أن يكون عبر إجراءات مؤقتة أو تفاهمات شهرية.
من جانبها، قالت النائبة فيان صبري، رئيسة كتلة الحزب الديمقراطي الكردستاني في البرلمان، إن تأخير تحويل المستحقات المالية للإقليم ينعكس مباشرة على رواتب الموظفين واستقرارهم المعيشي، داعية إلى الفصل بين الخلافات السياسية وحقوق المواطنين.
أما محمد زراري، المدير العام لدائرة الرقابة المالية في حكومة الإقليم، فانتقد آلية ربط صرف الرواتب بموافقات شهرية من بغداد، معتبراً أنها تُدخل حياة الموظفين في حالة عدم يقين دائم.
بين الأرقام وحياة الناس
بين ضرائب ورسوم جديدة، وموازنة مؤجلة، ونفط لا يمكن التنبؤ بمساره، يقف العراقيون أمام عام مليء بالأسئلة. السؤال لم يعد: كم ستبلغ الموازنة؟ بل: كيف ستنعكس قراراتها على حياة الناس اليومية؟ وحتى تتشكل الحكومة الجديدة، وتُحسم خياراتها المالية، يبقى المواطن هو الطرف الأكثر انتظاراً.. والأقل قدرة على تحمّل أخطاء التأجيل.
تعليقات
علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر
أضف تعليقاً