مرور 37 عاماً على نهاية أطول حروب القرن.. استمرت 8 أعوام وكلفت مليون ضحية ولا منتصر فيها

09-08-2025
معد فياض
معد فياض
الكلمات الدالة العراق إيران الحرب العراقية - الإيرانية
A+ A-
رووداو ديجيتال

بعد 37 عاماً، وفي مثل هذا اليوم من عام 1988 كان العراقيون ما يزالون يغرقون في احتفالات نهاية الحرب العراقية الإيرانية (1980- 1988)، ففي الثامن من آب (1988/8/8)، أُعلن عن وقف إطلاق النار في واحدة من أطول الحروب التقليدية في القرن العشرين وأكثرها دموية منذ الحرب العالمية الثانية. حيث تشير التقديرات إلى مقتل حوالي مليون شخص، بينهم غالبية من المدنيين.
 
لم تكن احتفالات العراقيين في اليوم الذي أطلق عليه الإعلام العراقي الرسمي "يوم النصر العظيم" بسبب النصر بل لتوقف نزيف الدم بعد أن خسرت غالبية العوائل العراقية أبنائها وآبائها في هذه الحرب التي لم يخرج منها أي منتصر، بينما اعتبرت عوائل الضحايا من الطرفين العراقي والإيراني هي الخاسرة الأكبر.
 
لقد صدرت عدة قرارات من قبل مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة تلزم العراق وإيران بوقف النار وإنهاء الحرب وعودة الطرفين إلى حدودهما الدولية، وكانت إيران ترفض الالتزام بهذه القرارات قبل تحديد الطرف البادي في الحرب.
 
حسب الدبلوماسي العراقي الراحل، عدنان الباجه جي، ممثل العراق ووزير خارجيته الأسبق وكما صرح في مذكراته "رجل بين قرنين" التي كانت شبكة رووداو قد نشرتها سابقاً "في عام 1980 اشتعلت نيران الحرب العراقية الإيرانية، وعم الحماس جميع العرب، كنت وقتذاك في أبوظبي وكان الناس هناك يقولون لي: والله العراق رفع رأسنا. وكانت انتصارات القوات العراقية تلقى وقعًا حسنًا في نفوس غالبية العرب مواطنين وقادة. الخليجيون كانوا من أكثر الناس دعمًا للعراق ماديًا ومعنويًا، حيث قدمت دول الخليج الكثير من الأموال من أجل أن يصمد العراق في هذه الحرب. كانت حسابات صدام حسين في هذه الحرب هي أن يبادر إلى الهجوم قبل أن يبادر الإيرانيون، حسب المثل الذي يقول (نتغدى بهم قبل أن يتعشوا بنا)، فهو كان يعرف أن الخميني يكرهه وأنه سيعمل كل جهده لخلق الفوضى في العراق أو الهجوم عليه، وكان الوقت مناسبًا بالنسبة لصدام لشن الحرب، حيث كانت الفوضى سائدة في إيران، والثورة الإسلامية في بدايتها، وغاب كبار الضباط الإيرانيين من عهد الشاه عن إيران والقوات الإيرانية، إما تم إعدامهم أو هربوا من البلد، وحسابات صدام كانت صحيحة في هذا الجانب، لكنه أخطأ في جانب مهم وهو أن الإيرانيين، سواء كنا نكرههم أو لا، يتمتعون بشعور قومي قوي جدًا، حتى لو كان بعضهم لا يحب أو لا يؤمن بالخميني فإنهم قاتلوا انطلاقًا من مشاعرهم القومية، ولن يسمحوا للعراق، الذي هو في نظرهم بلد عربي صغير، أن ينتصر عليهم.. وعلينا أن نقول الحق، ذلك أن صدام حسين عندما أدرك أن نهاية هذه الحرب ستكون بعيدة وسوف تطول سنواتها، أعلن منذ عام 1982، أي بعد عامين من اشتعالها، إيقافها وطالب العراق في الأمم المتحدة بوقف إطلاق النار والتفاوض وكانت إيران ترفض".
 
بالنسبة لنا، كمواطنين عراقيين، وبالنسبة لي حيث كنت جنديًا مجبرًا على الخدمة العسكرية وعايشت تفاصيلها باعتباري مراسلًا حربيًا، لم نكن.. بل لم يكن أي شخص مهما كانت درايته وخبرته الدبلوماسية أو العسكرية أن يتخيل سيناريو نهاية الحرب العراقية الإيرانية. في الحقيقة والواقع كنا نتصور أن عقودًا أخرى ستمر والحرب تدور رحاها، حتى أن الإعلام أطلق عليها مصطلح "الحرب المنسية"، فجميع المبادرات والقرارات الأممية كانت تدعو لإيقاف الحرب وتجابه بالرفض من قبل إيران، وعلى العكس من الموقف الإيراني كان العراق يعلن موافقته على تلك المبادرات والقرارات.
 
كنا ندرك أن نفس الإيرانيين طويل.. بل طويل جدًا، فماذا نتوقع من شخص يجلس أمام المنوال لأكثر من 30 سنة دون كلل أو تعب أو ضجر لحياكة سجادة إيرانية متميزة وثمينة، فهل سيتعب من حرب يصر عليها دون أن يهتم للخسائر البشرية ومع دولة أصغر من إيران مساحة وأقل منها في عدد النفوس، دولة عربية ينظر الإيرانيون لها باستصغار واحتقار لأسباب تاريخية تمتد لأكثر من خمسة آلاف عام.
 

أبرز قرارات وقف إطلاق النار
 
رووداو تقدم هنا رصداً لأبرز القرارات الأممية التي صدرت لإيقاف الحرب العراقية الإيرانية وفي مقدمتها قرار مجلس الأمن الدولي رقم 522، الذي اعتمد بالإجماع في 4 تشرين الأول 1982، بعد التذكير بالقرار 479 (1980) والقرار 514 (1982)، حيث دعا المجلس إلى وقف فوري لإطلاق النار بين إيران والعراق، داعياً إلى انسحاب كلا الجانبين إلى حدودهما المعترف بها دولياً.
 
وأقر المجلس بأن العراق قد وافق على تنفيذ القرار 514، وحث إيران على أن تحذو حذوه، وهو ما يضغط على تقدمها. وأضعف القرار أيضًا حق إيران في الدفاع عن النفس.
 
ومضى القرار بالتأكيد على ضرورة تنفيذ قرار نشر مراقبي الأمم المتحدة في المنطقة لرصد وقف إطلاق النار والانسحاب، داعيًا جميع الدول الأعضاء إلى الامتناع عن الأعمال التي من شأنها إطالة أمد الصراع. وأخيراً، طلب القرار 522 إلى الأمين العام خافيير بيريز دي كويلار تقديم تقرير إلى المجلس عن محاولات تنفيذ هذا القرار في غضون اثنتين وسبعين ساعة.
 
لكن القرار الأهم والذي وضع بالفعل خاتمة لحرب السنوات الثمان، كان قرار مجلس الأمن الدولي رقم 598 لسنة 1987، الذي اعتمد بالإجماع في 20 تموز 1987، وبعد التذكير بالقرارين 582 و588، دعا إلى وقف فوري لإطلاق النار بين إيران والعراق وإعادة أسرى الحرب إلى وطنهم، وانسحاب الطرفين إلى الحدود الدولية. وطلب القرار إلى الأمين العام أن يوفد فريقًا من المراقبين لرصد وقف إطلاق النار بينما يتم التوصل إلى تسوية دائمة لإنهاء الصراع. وأصبح نافذاً في 8 آب 1988، منهياً بذلك جميع العمليات القتالية بين البلدين والحرب العراقية الإيرانية.
 
وقد قبل كل من العراق وإيران القرار 598 في 20 تموز 1988. بيد أن العراق قرر القيام بدفعة نهائية ومحاولة اجتياح إيران، مرة أخرى، ليحتل خوزستان وغرب إيران بشكل دائم، وكذا لتحقيق أهدافه منذ بداية الحرب. هاجم الجيش العراقي محافظة خوزستان، بدءًا برية وجوية، ودفع مرة أخرى باتجاه خرمشهر. بيد أن إيران توقعت الهجوم، واستخدمت قوتها الجوية بالتزامن مع صواريخ أرض- جو لهزيمة القوات الجوية العراقية الأكبر. ثم قامت القوات الإيرانية بالهجوم في 25 تموز وأعادت احتلال 600 كيلومتر مربع من الأراضي العراقية.
 
لكن في نهاية المطاف انسحب الطرفان إلى الحدود الدولية في الأسابيع اللاحقة، حيث أصبح القرار 598 نافذًا في 8 آب، منهيًا بذلك جميع العمليات القتالية بين البلدين. وكانت قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة التابعة لبعثة يونيموغ قد تولت الميدان وبقيت على الحدود الإيرانية العراقية حتى عام 1991.
 
تقرير بريطاني سري
 
وتشير وثائق وزارة الخارجية البريطانية الموجودة في الأرشيف الوطني البريطاني، التي رفعت السرية عنها، إلى القرار 598 والحراك الدبلوماسي العراقي الذي قاده وزير خارجية العراق طارق عزيز، على الساحة الدولية في تلك الحقبة.
 
ويتحدث تقرير سري مطول مرسل من قبل البعثة الدبلوماسية البريطانية في نيويورك إلى لندن بتاريخ 19 يوليو 1988 ويحمل توقيع "روب يونغ" المسؤول عن قسم الشرق الأوسط في الخارجية البريطانية أنه "من السابق لأوانه أن نقيم بثقة المسار المحتمل للأحداث التي أعقبت قبول إيران أمس قرار مجلس الأمن 598، لكن الآراء الأولية التالية التي تمت مناقشتها معكم بعبارات عامة قد تساعد في تسليط الضوء على بعض المخاطر والتحديات التي تنتظرنا".
 
ثم يتساءل هذا الدبلوماسي البريطاني المخضرم المتخصص في قضايا الشرق الأوسط، مستغربًا عن التوقيت المتأخر جدًا الذي اختاره الإيرانيون للإعلان عن قبولهم القرار رقم 598، قائلاً "لماذا الآن؟ يبدو هذا التوقيت للموافقة على التفاوض مهينًا بشكل خاص للإيرانيين. لقد فقدوا أخيرًا تقريبًا جميع الأراضي العراقية التي احتلوها بعد عام 1982 بكلفة باهظة. إنهم محاصرون في الخليج. خائفون من استخدام قواتهم البحرية النظامية في مواجهة التفوق البحري الأميركي. كما أن رفسنجاني لم يفعل شيئًا بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة بالوكالة. ومع ذلك، فقد تزايد الاستنزاف وبان التعب من الحرب بشكل سريع في الأشهر الأخيرة: فقد أثرت التكتيكات العسكرية العراقية (حرب المدن، والضغط المستمر على الجيوب الإيرانية، واستخدام الأسلحة الكيميائية، والهجمات الجوية الثقيلة على الأهداف الاقتصادية) في معنويات المدنيين والعسكريين وفي الاقتصاد المتعثر، وبدأت تظهر الانتقادات العلنية على نطاق واسع وخطير حيث تطرح لأول مرة ضد الحرب وضد الخميني. ومن المتوقع أن يثير الحشد العسكري العراقي الأخير مقابل عبادان المزيد من الخوف والقلق. يبدو أن القادة الإيرانيين قد خلصوا ليس فقط إلى أنهم لا يستطيعون كسب الحرب (يجب أن يكون ذلك واضحًا لمعظمهم بعد الفشل في الاستيلاء على البصرة في أوائل عام 1987) ولكن الثورة نفسها قد تكون مهددة".
 
في المقابل كانت الحكومة العراقية متخوفة أيضاً من التأثير الأيديولوجي الإيراني وممارسة عملية غسل الأدمغة على الأسرى العراقيين في معسكرات الأسرى في إيران. وجاء في التقرير "حاول الإيرانيون تغيير معتقدات أسرى الحرب العراقيين أثناء أسرهم، لأنه كانت لديهم مخططات في شأن العراق. أرادوا إعادة أسرى الحرب كمؤيدين للخميني. وكان العراق يعلم أن الإيرانيين سيسعون إلى استخدام أسرى الحرب".
 
وينقل التقرير ما قاله عزيز بهذا الخصوص "لفت طارق عزيز الانتباه إلى نقطتين على وجه التحديد؛ أولاً، في ما يتعلق بالتنفيذ، قال إنه على رغم أن أي حجج في شأن هذه المسألة هي في المرحلة الحالية حجج نظرية، فإن العراق يرغب في توضيح موقفه الآن لأن العراق يجب أن يكون قلقًا بشأن نوايا إيران الحالية والمستقبلية. وحتى لو قررت إيران الموافقة على إنهاء الحرب، فإنه لم يكن متأكدًا من أنها ستكون على استعداد لإنهائها بطريقة تحافظ على حقوق كلا البلدين سليمة. على سبيل المثال، إذا تم الاتفاق على وقف إطلاق النار ولم تكن إيران ملزمة بالانسحاب في الوقت نفسه، فإنها ستحاول استغلال هذا الواقع. وبالمثل، إذا كان وقف إطلاق النار مرتبطًا بإنشاء هيئة محايدة لتقرير المسؤولية عن الحرب، يمكن أن يحدث أحد أمرين: إما أن يقبل الإيرانيون وقف إطلاق النار حتى يتم الإبلاغ عن التحقيق بطريقة يجدونها مرضية ثم يستخدمون النتيجة لتبرير استئناف عدوانهم. أو إذا لم تكن النتيجة مرضية فإنهم سيرفضون الانسحاب. وسيتعين على العراق استئناف الأعمال العسكرية، على رغم أن ذلك سيكون صعباً ومحرجاً للعراق".

 

تعليقات

علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر

أضف تعليقاً

النص المطلوب
النص المطلوب
 

آخر الأخبار

نظام الأسيكودا هو نظام عالمي إلكتروني لإدارة الشؤون الكمركية

الكمارك العراقية لرووداو: يمكننا التوصل إلى اتفاق مع إقليم كوردستان بشأن نظام أسيكودا

قال مدير عام الهيئة العامة للكمارك العراقية، ثامر قاسم داود، إن المباحثات مع إقليم كوردستان لتوحيد النظام الكمركي "الأسيكودا" مستمرة، مشيراً إلى أنه على الرغم من عدم اتخاذ خطوات عملية بعد، إلا أن آفاق التوصل إلى اتفاق واضحة.