رووداو ديجيتال
ساعات قليلة تفصل إيران عن مشهد انتخابي يبدو كما لو أنه لحظة مؤجلة منذ صيف 2021، بين التيارين الإصلاحي والمحافظ (المتشدد)، عندما أعلن حينها فوز إبراهيم رئيسي، رئيس السلطة القضائية الإيرانية والمرشح الأبرز لخلافة المرشد الأعلى علي خامنئي، بمنصب رئاسة الجمهورية.
فمنذ تولي رئيسي منصب الرئاسة، برز الحديث عن توجه من قبيل رغبة التيار المحافظ الذي يقوده خامنئي بالهيمنة على مؤسسات الدولة التي جرت العادة أن يتم تقاسمها مع الإصلاحيين، التيار الذي ظهر منقسما أمام صعود الخليفة المفترض لخامنئي.
وعلى ما يبدو، أن غدا الجمعة (28 حزيران 2024) -الذي يستعد لأن ينتخب فيه الإيرانيون خليفة لرئيسي الذي قضى بحادث تحطم مروحية كانت تقله مع وزير خارجيته وآخرين في أيار الماضي- يمثل لحظة جديدة في حسابات الإصلاحيين لاستعادة دورهم في السياسة الإيرانية الذي تراجع بشكل كبير قياسا بمراحل سابقة.
وبطبيعة الحال، أن الحديث عن تدافع إصلاحي - محافظ في إيران، يعني بالضرورة الحديث عن تأثيراته الداخلية والإقليمية والدولية، وهو حجم دائرة تأثير طهران في المشهد العام، إذ لكل تيار بصمة، لعل آخرها كان توجه حكومة رئيسي في الانفتاح على المحيط الإقليمي، خصوصا العربي، الذي شهد تحسنا كبيرا بالعلاقات.
تلك أبعاد، إلى جانب أهم الملفات التي تنتظر الرئيس الجديد، وما يُنتظر منه من دور في مشهد دولة يمثل فيها الرجل الثاني بعد المرشد الأعلى خامنئي، تناقشها شبكة رووداو الإعلامية مع مجموعة مختصين في الشأن السياسي الإيراني، مع التركيز على المرشح صاحب الحظ الأوفر، من بين أبرز المرشحين المتسابقين.
مبدئيا، كان مجلس صيانة الدستور الإيراني، صادق على ملفات 6 مرشحين بينهم خمسة من المحافظين ومرشح إصلاحي واحد، بعد أن اشترط الإصلاحيون قبول أحد مرشحيهم للمشاركة في المنافسة الانتخابية.
ذلك قبل أن يعلن اثنان من المحافظين الانسحاب بغية "تعزيز جبه الثورة" وحصر عملية التصويت، وهما أمير حسين قاضي زاده هاشمي، وعلي رضا زاكاني.
وإلى ذلك، تشير التوقعات لانحسار السباق بين 3 مرشحين، وهما المحافظان سعيد جليلي المفاوض النووي السابق، ومحمد باقر قاليباف الرئيس الحالي للبرلمان، إضافة إلى مسعود بزشكيان عن الإصلاحيين، الذي أظهر استطلاع للرأي تقدمه في السباق نحو الرئاسة.
ويأمل الإصلاحيون من خلال الانتخابات الحالية العودة لممارسة تأثيرهم، عبر التركيز على ملف إزالة العقوبات، الذي سبق وتبناه الرؤساء الإصلاحيون السابقون الذين أظهروا دعمهم لبزشكيان وقالوا إنه "قادر على ذلك"، وهما الرئيسان الأسبقان حسن روحاني، ومحمد خاتمي.
في حين استبق المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي الاقتراع بدعوته الثلاثاء الماضي، المرشحين للرئاسة إلى عدم التحالف مع أي شخص "ينحرف" ولو قليلا عن مبادئ الثورة الإيرانية.
مشهد معقد
للوهلة الأولى يبدو من الصعب التوقع بشكل دقيق بحسم المشهد، كما يقول الباحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية، محمد صالح صدقيان، لرووداو، اليوم الخميس (27 حزيران 2024).
ويضيف، أن السباق الانتخابي الآن بين 3 مرشحين، هم قاليباف وجليلي والإصلاحي بزشكيان، غير أن السباق لا يزال مفتوحا على احتمالات كبيرة، منها نسبة المشاركة في التصويت.
بينما يرى المختص بالشأن السياسي الإيراني، وجدان عبدالرحمن، أن "محمد باقر قاليباف هو الأوفر حظا بالرئاسة"، لافتا إلى أن" في المرحلة الأولى من التصويت ستنحصر المنافسة بينه وبين بزشيكان، وفي الدورة التالية سيكون المرشح المحافظ هو الأوفر حظا".
ولكن المحلل السياسي صالح القزويني، يعتقد أنه "لا يمكن القول هناك من هو الأوفر حظا أو الأقل حظا، ذلك على اعتبار أن السباق يجري بين ثلاثة مرشحين بالمشهد".
غير أن عبدالرحمن استبعد في حديثه لرووداو، أن يكون للإصلاحيين نصيبا في الفوز بهذه الانتخابات، عازيا ذلك إلى "ثلاثة عوامل؛ العامل الأول أن الجيل الشبابي لن يشارك في الانتخابات، كما أن التيار المقاطع للانتخابات هو من التيار الإصلاحي من الشعب، وليس من الأحزاب الإصلاحية".
وبين، أن "الدعاية الانتخابية التي أتى بها الإصلاحيون لا تنسجم مع تطلعات المواطنين، نظرا إلى أن المواطنين لا يرغبون أساسا بالنظام ولا بسلطة المرشد الأعلى وعبروا عن ذلك من خلال إحراق صوره، بالتالي أنه في حال إعلان الإصلاحيين انصياعهم لأوامر المرشد، فإن ذلك سيضعف موقفهم كثيرا".
وتابع عبدالرحمن، أن "المرشد الأعلى وفقا للمادة 110 من الدستور هو من يدير البلاد بشكل أساسي، ووفقا لذات المادة فإن الرئيس الإيراني يلعب دور الرجل الثاني، أي من ينفذ سياسات المرشد، بغض النظر عن الاختلافات البسيطة، وهذا ما لا يرغب به الجمهور الإصلاحي".
بدوره، يرى القزويني، أن الانتخابات الحالية تمثل اختبارا عسيرا للإصلاحيين، لاسيما وأنهم كانوا قد قاطعوا الانتخابات الرئاسية والبرلمانية السابقة، بالتالي هذه الانتخابات ستظهر إذا ما كان هذا التيار لا يزال يتمتع بشعبية واسعة أم لا".
ويضيف في حديثه لرووداو، أن "فوز المرشح الإصلاحي أو لمجرد فقط حصوله على أصوات عالية، يؤشر على أن هذا التيار لا يزال نشطا ولا يزال يحظى بشعبية في الوسط الإيراني".
ماذا ينتظر الرئيس الإيراني الجديد؟
أما بشأن أهم الملفات التي تنتظر الرئيس الجديد، يشير عبدالرحمن إلى أن "الاقتصاد أهم تلك الملفات، وهو الشغل الأساسي للحكومة والمواطن"، موضحا أن "هناك عوامل تؤثر على هذا الموضوع بما فيها موضوع الاتفاق النووي والعقوبات الدولية المفروضة على إيران".
وبالإضافة إلى ذلك، هناك "تحديا كبيرا ينتظر الرئيس الإيراني، يتمثل بالاتفاقية النووية التي شارفت على الانتهاء العام المقبل، مما يضع الرئيس أمام احتمالات إعادة إيران تحت البند السابع، أو التسليم للمطالب الغربية وهذا مستبعد".
ولا يضع عبدالرحمن قيمة لدور الرئيس الإيراني في سياسية البلاد، وهو ما يجعله يعتقد أن سياسات البلاد الإقليمية مرتبطة بقناعات المرشد الأعلى، وأن الرئيس ليس سوى منفذا لها، قائلا: "عندما سعى الرئيس الإصلاحي الأسبق حسن روحاني، لإعادة العلاقات مع الجيران لم يتمكن، لأن المرشد لم يوافق على ذلك، بينما تمت إعادة العلاقات في حكومة إبراهيم رئيسي الأكثر تشددا، فقط لأن المرشد سمح بذلك".
من جانبه، يتفق القزويني حول الملف الاقتصادي، ويقول أن "بانتظار الرئيس القادم ترتيب الوضع الاقتصادي في البلاد، خصوصا وأن الوضع غير مستقرا من ناحية التضخم والبطالة وارتفاع الأسعار. هناك الكثير من المشاكل الاقتصادية".
ويردف، أن بعد ذلك بالدرجة الثانية هي قضية الوضع السياسي، خاصة بعد الأحداث التي شهدتها إيران في قضية مهسا أميني، وهي محور مهم يجب أن يسعى الرئيس القادم فيه إلى نوع من الهدوء السياسي وتحقيق الاستقرار وتخفيف حدة الاستطباب في البلاد.
ويستدرك، أن "لا شك للرئيس القادم أن يترك بصمة كبيرة في السياسة الإيرانية الخارجية التي تنقسم إلى قسمين، قسم التعاطي والموقف، وسياسة إيران تجاه محور المقاومة، أي تجاه العراق ولبنان واليمن وإسرائيل والقضية الفلسطينية، وهذا المحور الأخير يتولى أمره كله حرس الثورة الإسلامية وخاصة فيلق القدس المعني بوضع الخطط لمحور المقاومة بالتنسيق مع الحكومة أو رئاسة الحكومة".
وتابع، أنه بشكل عام "الرئيس يؤثر بالسياسة الخارجية لاسيما في قضية الملف النووي، والعلاقة مع الجوار والإقليم، والعلاقة مع أميركيا والمفاوضات معها، فموقفه مؤثر إلى حد ما".
على هذا النحو يبدو مشهد الانتخابات الرئاسية في إيران معقدا، بل يربطه كثيرون بفواعل عدة تأخذ بالحسبان حجم التأثير الذي يجب أن يتحمله الرئيس، ما يدفع تلك الفواعل للمساهمة بشكل كبير في صناعة وبلورة الشخصية الأقرب من الفوز دون غيرها.
غير أن القزويني يؤكد، أن صناعة الرئيس تتبع شخصيته وصفاته بالدرجة الأولى، وقدرته على الإقناع والتفاهم وحل المشكلات، إضافة إلى تمتعه بحاضنة شعبية، كذلك نزاهته وشجاعته وحكمته، مشيرا إلى أن التجربة أثبتت أنه ليس بالضرورة أن تكون هناك مراكز قرار أو نفوذ في إيران لتدعمه، وإنما الظروف المؤاتية من حيث موقف الإقليم والجوار والعالم والولايات المتحدة، كلها تؤثر بصناعته.
