"رسائل من كُردستان".. وثيقة تاريخية تخرج للنور بترجمة جان دوست

30-12-2025
بسام مصطفى
A+ A-

تستعد "منشورات رامينا" في لندن، لإصدار عمل أدبي وتاريخي بالغ الأهمية خلال الأيام القليلة المقبلة، يحمل عنوان "رسائل من كُردستان ". الكتاب هو ترجمة من الألمانية إلى العربية أنجزها الروائي والمترجم جان دوست، لرسائل المستشرق الألماني أوسكار مان، التي دونها خلال رحلاته الاستكشافية في الشرق مطلع القرن العشرين.

يعد هذا الكتاب بمثابة كنز توثيقي يكشف تفاصيل الحياة الاجتماعية والثقافية للكورد ولشعوب المنطقة قبل أكثر من قرن، بعيون مستشرق دقيق الملاحظة وشغوف باللغات.

جان دوست يكشف خبايا الكتاب

في تصريحات خاصة وحصرية لشبكة "رووداو" الإعلامية، تحدث الكاتب والمترجم جان دوست عن تفاصيل هذا المشروع، وكيفية خروجه إلى النور.

يقول جان دوست: "كتاب (رسائل من كُردستان) هو كتاب ألفه المستشرق الألماني أوسكار مان. لقد جاء أوسكار مان إلى كوردستان، وإلى إيران وتركيا في السنوات 1905 و1906 و1907 وتلك الأوقات، وكان يقوم هنا بجمع اللغة الكوردية واللهجات الكوردية ومقارنتها. جاء إلى أورفا (الرها) مثلاً، وفي أورفا عثر على مغنٍ (دنكبيج) كوردي، وهو أول مغنٍ كوردي توجد له صورة فوتوغرافية، واسمه (بوزان)، وقد وضع صورته في كتابه؛ حيث كان أوسكار مان مصوراً أيضاً يلتقط الصور، وفي الوقت نفسه يجمع النصوص الكوردية باللغة الكوردية. لقد جمع في جولته تلك الكثير من الأشياء وأخذها معه إلى برلين، حيث كان يذهب ويجيء".

يكمل مترجم الكتاب كلامه قائلاً: "هذا الكتاب عبارة عن رسائله التي كان يرسلها إلى شقيقته وإلى والدته عندما كان في هذه المناطق، أي عندما كان في كوردستان. رحلته جميلة جداً؛ وما قمت به هو أنني أخذت تلك الرسائل التي كتبها في كوردستان والتي لها علاقة بالكورد، وقمت بترجمتها جميعاً إلى اللغة العربية، وسلمناها إلى الأخ (هيثم حسين) في دار نشر (رامينا)، وهم بدورهم اشتروا حقوق النشر من الدار الألمانية الأصلية وقاموا بطباعتها، أو تقرر أن تُطبع وتصدر في وقت قريب جداً".

يُحدّثنا جان عن رحلة أوسكار مان في كوردستان ويقول: "هذا الرجل، أوسكار مان، التقى في مهاباد بشاب كوردي اسمه (جواد قاضي)، تبادل معه الأحاديث وتعلم منه الكوردية، وتعلم منه الفارسية، وقام هو [مان] بتعليم جواد قاضي اللغة الإنجليزية. بعد ذلك اصطحبه معه إلى ألمانيا، وهناك درس [جواد] وأصبح شخصاً متمكناً وموهوباً جداً. قاما معاً بجمع تلك الأغاني الكوردية ونشراها في كتاب حمل اسم (التحفة المظفرية)".

وعن مضمون الرسائل يقول دوست: "في الرسائل توجد عاطفة ومشاعر تجاه والدته وشقيقته، وهو لا يتحدث فقط عن اللغة الكوردية، بل يقدم وصفاً جميلاً للمجتمع الكوردي في تلك الحقبة قبل 120 عاماً؛ ماذا كانوا يفعلون وماذا لا يفعلون، ماذا يأكلون، ماذا يشربون، كيف يجلسون، وكيف هي مجالسهم. وبلا شك، فقد وجه الكثير من الانتقادات لهذه المجتمعات، لأنها كانت مجتمعات متخلفة، فقد ذكر نقده أيضاً. إنه كتاب قيم، وهو (بانوراما)، وقد أُنجز لخدمة المجتمع الكوردي وخدمة اللغة الكوردية بشكل كبير".

رواية "الجنرال".. ملحمة الملا مصطفى البارزاني

وفي سياق حديثه، تطرق جان دوست إلى أحدث أعماله الروائية "آخر معارك الجنرال"، التي تتناول سيرة الزعيم الكوردي التاريخي الملا مصطفى البارزاني.

وعن هذا العمل يقول دوست لروداو: "(آخر معارك الجنرال) هي رواية تاريخية، أي أن خلفيتها هي تاريخ الكورد، وتحديداً حياة وسيرة الخالد الملا مصطفى البارزاني. كتبتها باللغة الكوردية (اللهجة الكورمانجية)، وقمت بنفسي بترجمتها إلى اللغة العربية. النسخة الكوردية صدرت عن دار نشر (دوز) في إسطنبول، والنسخة العربية صدرت عن دار (النهار) في بيروت. صدرت بداية ربيع 2025".

وعن مضمون روايته يقول دوست: "الرواية لا تسلط الضوء فقط على حياة الملا مصطفى البارزاني، بل تسلط الضوء على الثورات الكوردية في عهده؛ ثورة بارزان عام 1930، وثورتي 42 و43، والذهاب إلى مهاباد، وعبور نهر آراس، والمنفى في الاتحاد السوفيتي، ومن ثم عودة البارزاني. أي تلك المرحلة وصولاً إلى انتكاسة الثورة ومرض البارزاني وذهابه إلى واشنطن، ووفاته هناك في الأول من آذار عام 1979".

يضيف دوست: "الراوي هو البارزاني نفسه وخيالاته، حيث يستذكر الأشياء وهو في غرفته بالمستشفى، فالرواية تتشكل من ذكرياته. وهناك فصل خاص، وهو فصل (ملحمة عبور نهر آراس)، وهذا الفصل مروي على لسان أحد عناصر البيشمركة التابعين للبارزاني، وكان معه في تلك المسيرة وكان صغيراً حينها وعمره 15 عاماً، واسمه (حسو ميرخان). وبعد عودته كان يكتب يومياته في ذلك الوقت، أي أن قسماً من الرواية راويه هو ذلك البيشمركة".

نموذج من إحدى رسائل أوسكار مان (من الكتاب المرتقب)

ساوج بولاغ (مهاباد)، 4 آب 1903

"أمي الحبيبة وأختي العزيزة!

لقد خصصت اليوم بعد الظهر لأكتب لكم بهدوء. يوم الخميس يكون دائماً مليئاً بالانشغال: في الصباح حوالي الساعة الثامنة تصل الرسائل، وبحلول الساعة الثانية عشرة يريد مدير البريد الردود. لقد أجبت بالفعل على رسالتكم المؤرخة في 7 تموز، وآمل أن يصل غداً أو بعد غد شيء محدد من طهران حول مستقبلي. سأكتب عن هذا لاحقاً.

روتيني اليومي هنا رتيب جداً: في الخامسة صباحاً أستيقظ وأوقظ الخدم ثم أنتظر حتى يتم تجهيز الحمام، ثم أغفو قليلاً. بعد الاستحمام نتناول الفطور: قهوة، بيض، خبز، وفواكه متنوعة يعدها الطباخ الطهراني باقر بشكل ممتاز. جربوا الوصفة التي اخترعتها مؤخراً: كرز حامض مع مشمش مطبوخ معاً!

في السابعة صباحاً: نبدأ العمل مع المترجم ميرزا جواد. ترجم 8000 بيت شعري أملاها عليّ عبد الرحمن بن باقر من قرية حاجي حسين خلال 22 يوماً، بحيث تكون كل التفاصيل واضحة، ليست مهمة سهلة. المسكين ميرزا جواد يتصبب عرقاً من شدة الجهد. ثم نستمر حتى حوالي 12 ظهراً. بعدها نتناول الغداء: شوربة ولحم. لقد مللت من لحم الضأن لدرجة أنني سأصبح مثل الخراف إذا عدت! بعدها أستريح قليلاً. في الثانية ظهراً أعود للعمل، ميرزا عادة ما يتأخر قليلاً. نستمر في الترجمة حتى حوالي الخامسة والنصف ثم نركب الخيل بعد أن نغير ملابسنا.

لا يوجد في هذه المنطقة المقفرة سوى ثلاثة أو أربعة مسارات للمشي، وأنا أعرفها جميعاً عن ظهر قلب بالطبع. عند إحدى نقاط النهر العميقة الجميلة أنزل من على الحصان، أرمي حجراً في الماء، فتغطس الكلاب الثلاثة كالمجانين في النهر؛ هذا حمامها اليومي وضروري لها، وإلا لكانت هذه الحيوانات المسكينة قد ماتت بسبب الحشرات. أما أنا، فإن البراغيث تزعجني بشكل لا يطاق.

بحلول الساعة السابعة نعود إلى المنزل؛ وفي الثامنة تماماً يحين وقت العشاء: شوربة، طبق لحوم وحلوى، غالباً ما تكون مثلجات! مثل: كرز، بطيخ، كاكاو وغيرها. عادة ما يفسد معدتي، خاصة أن الخدم يميلون إلى تقديم مخلل الخيار (مع الطماطم!) قبل اللحم في الأيام التي يعدون فيها المثلجات. المشروب الآن كما في الصيف الماضي هو الليموناضة: عصير تفاح والكرز وغيره من الفواكه. بحلول التاسعة والنصف أذهب إلى السرير. لكن الحرارة الشديدة في المساء لا تسمح لي بالنوم قبل الحادية عشرة أو الثانية عشرة.

هكذا يكون روتين يوم الباحث؛ إنه ممل، أليس كذلك؟ منذ الرابع من تموز، اليوم الذي وصل فيه الشاعر، لم أرَ أي إنسان! أي لم أقم بأي زيارات إلخ. لكن الملاحم القديمة التي أملاها عليّ هذا الرجل اللطيف للغاية رائعة جداً بحيث تستحق العناء. وما زلت حتى الآن أفقد أعصابي تقريباً كل يوم من شدة إعجابي بما جمعته هنا ...

أفكر في الذهاب منتصف أيلول من هنا إلى أورمية وخوي. في الطريق وفي خوي سأجد بعض اللهجات الكردية المثيرة للاهتمام. ثم إلى تبريز، ومن هناك في منتصف أو نهاية تشرين الأول إلى همدان (16 يوم سفر) ثم إلى سلطان آباد المحبوبة (للراحة) ومن هناك عبر كاشان إلى يزد (حوالي 15 يوم سفر أخرى). في يزد سأدرس لغة (الزرادشتيين). من كانون الأول حتى شباط تقريباً. ثم إذا أمكن عبر سمنان إلى طهران. من هناك عبر رشت-باكو-تبليسي-باتوم إلى القسطنطينية. وهناك قد تنضم إلينا مارثا مع أو بدون البروفيسورة والسيد ريتشارد شميدت. رحلات القوافل الطويلة إلى يزد تمنحني ذريعة ممتازة لإخبار الأكاديمية أن النقود قد نفدت".

كلمة الغلاف لدار نشر رامينا

في كتاب "رسائل من كُردستان " تتقدّم الرسائل بوصفها كتابةً على التخوم: تخوم اللغة، وتخوم الجغرافيا، وتخوم وعيٍ أوروبيٍّ نظر إلى الشرق فضاءً للبحث، وإعادة التسمية، وبناء التصنيفات. يكتب أوسكار مان من كوردستان وإيران في مطلع القرن العشرين، وهو يتنقّل بين المدن والجبال والقرى، ويدوّن تفاصيل الطريق، ومشاغل العمل اللغويّ، والاحتكاك اليوميّ بالناس، حاملاً معه أدوات الباحث، وحسّ الرحّالة، ونبرة عصرٍ كان يعيد ترتيب العالم من موقع تفوّق معرفيّ، ويسجّل الأطراف بوصفها موضوعاً للدرس والملاحظة.
تكشف هذه الرسائل عن جهد علمي مضنٍ في تتبّع اللهجات الكوردية والفارسية، وتوثيق بنياتها، وأصواتها، وحكاياتها الشفوية، ضمن ظروف قاسية من المرض، والعزلة، وصعوبة التنقّل. وفي الوقت نفسه، تفصح لغة الرسائل عمّا كان كامناً في وعي المرحلة من تصنيفات مسبقة، ونظرات تفاضل بين البشر، وتحوّل السكان المحلّيين إلى مادة وصف وتجربة، من دون مساءلة حقيقية لموقع الكاتب نفسه داخل هذه العلاقة غير المتكافئة.

هنا، تتحوّل الرسائل إلى وثيقة تاريخية مضاعفة القيمة؛ مصدر لفهم المجتمعات الكوردية ولهجاتها، وشهادة صريحة على طريقة تفكير الباحث الأوروبي حين كان يكتب الشرق ويعيد ترتيبه وفق مقاييسه.

الترجمة التي أنجزها جان دوست تعيد هذه المواد إلى القارئ العربيّ والكورديّ بوعي لغويّ وتاريخيّ، وتحافظ على نبرة النصّ الأصلية من دون تلطيف أو إخفاء، فاتحة المجال لقراءة نقديّة ترى في الكتاب مرجعاً علميّاً، ونصاً رحليّاً، ووثيقة ثقافيّة عن علاقة المعرفة بالقوّة، والبحث بالسياسة، واللغة بالهيمنة الرمزية.

هذا الكتاب يضع القارئ أمام أرشيف حيّ، تتجاور فيه المتعة السرديّة مع الصدمة المعرفيّة، وتتكشّف عبره صورة كوردستان كما رآها باحث أوروبيّ قبل أكثر من قرن، بكلّ ما في تلك الرؤية من دقّة وحدود وأسئلة مفتوحة لا تزال راهنة حتى اليوم.

تعريف بالمؤلف والمترجم

أوسكار مان (Oscar Mann)

يعد أوسكار مان (1867–1917) واحداً من أبرز المستشرقين الألمان وعلماء الإيرانيات في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. ولد في برلين، ودرس اللغات الشرقية (الكوردية، العربية، الفارسية، السنسكريتية) واللسانيات المقارنة في جامعات برلين وهايدلبرغ. عمل أميناً في المكتبة الملكية في برلين، مما أتاح له الاطلاع على المخطوطات والوثائق النادرة. اشتهر برحلاته الميدانية الطويلة والشاقة إلى الدولة العثمانية (كوردستان والعراق) وإيران. لم يكتفِ بدراسة النصوص القديمة، بل اهتم بجمع التراث الشفهي وتدوين اللهجات الحية. يعتبر كتابه "التحفة المظفرية" (بالألمانية والكوردية) من أهم المراجع التي وثقت اللهجة الموكريانية والفولكلور الكوردي. كما أن صوره الفوتوغرافية التي التقطها خلال رحلاته تعتبر اليوم وثائق إثنوغرافية لا تقدر بثمن، توثق وجوه الناس، والملابس، والعمران في تلك الحقبة. توفي في برلين عام 1917 تاركاً إرثاً غنياً من الأبحاث التي لا تزال مراجع أساسية في الدراسات الكوردية والإيرانية.
جان دوست (Jan Dost)

روائي وشاعر ومترجم كوردي سوري، يعد من أهم الأصوات الأدبية الكوردية المعاصرة. ولد في مدينة "كوباني" عام 1965. يكتب باللغتين الكوردية والعربية. عرف بأسلوبه السردي الذي يمزج بين التوثيق التاريخي والنفس الصوفي والشاعرية العالية.

أبرز أعماله:

روايات: "ميرنامه"، "عشيق المترجم"، "دم على المئذنة"، "ثلاث خطوات إلى المشنقة"، "كوباني"، "ممر آمن"، ورواية "باص أخضر يغادر حلب". ترجم العديد من الأعمال الأدبية الكوردية الكلاسيكية والحديثة إلى العربية، وأهمها ملحمة "مم وزين" لأحمد الخاني، التي قدم لها ترجمة وشرحاً وافياً، بالإضافة إلى "الحديقة الناصرية" التي ترجمها عن اللغة الفارسية وغيرها.. نال دوست عدة جوائز وتكريمات، منها جائزة الإبداع الكوردي وجائزة حسين عارف للرواية، ووصلت أعماله إلى قوائم جوائز عربية مرموقة مثل جائزة نجيب محفوظ (عن رواية ميرنامه).

يأتي صدور كتاب "رسائل من كُردستان " عن منشورات رامينا، ليكون جسراً جديداً يربط القارئ العربي والكوردي بتاريخ المنطقة، وليزيح الغبار عن يوميات مستشرق عاش بين الناس ونقل تفاصيل حياتهم بدقة متناهية، بجهد ترجمي مميز من جان دوست الذي لا يكتفي بالنقل اللغوي، بل ينقل روح النص وسياقه التاريخي.

 

تعليقات

علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر

أضف تعليقاً

النص المطلوب
النص المطلوب
 

آخر الأخبار

المجموعة الشعرية للشاعرة ندوة يونس

حفل توقيع مجموعة الشاعرة ندوة يونس "أوراق تقودها الريح"

احتضنت قاعة أنشطة كاريتاس في مدينة إيسن الألمانية، يوم الأحد (10 أيار 2026)، أمسية ثقافية، احتفاءً بتوقيع مجموعة شعرية بعنوان "أوراقٌ تقودها الريح"، للشاعرة ندوة يونس، الصادرة حديثاً عن دار الزمان، وهي المجموعة الثانية في تجربتها الشعرية بعد مجموعتها الأولى "النبض المرهق" الصادرة عام 2021.