رووداو ديجيتال
يرصد برنامج (مازال للقصة بقية - هێشتا ماویەتی)، الذي
يقدمه هيفيدار أحمد، أقوى رحلات الهجرة في العالم، والتي يهدف من خلالها المهاجرون
إلى الوصول إلى بلدان أوروبية، ساعين إلى حياة جديدة لا يدركون أسرارها، وتاركين
وراءهم أسرهم في بلادهم الأم.
بين خيام موحلة تحاصرها الأسلاك الشائكة في أحراش مدينة
دنكيرك شمالي فرنسا، وأمواج عاتية تبتلع أحلام النجاة في بحر المانش، تتكشف واحدة
من أكثر فصول الهجرة غير الشرعية قسوةً وتعقيداً؛ حيث لم يعد السؤال بالنسبة لآلاف
المهاجرين المحتشدين على تخوم السواحل الفرنسية متعلقاً بمخاطر الموت، بل بما يدفع
أسراً وأطفالاً لم تتجاوز أعمارهم 12 عاماً إلى تفضيل الغرق في عرض البحر على
العودة إلى أوطانهم.
في معايشة ميدانية وثقتها شبكة رووداو الإعلامية مع تدفق
المهاجرين بين باريس ودنكيرك وشواطئ "إيكيان"، تبيّن أن الرغبة في بلوغ
بريطانيا تحولت إلى سباق مميت تديره شبكات تهريب منظمة، وسط استنزاف مالي ونفسي
هائل للمهاجرين القادمين بالدرجة الأولى من إقليم كوردستان والعراق، إضافة إلى
جنسيات آسيوية وإفريقية متعددة.
"أدغال
دنكيرك".. إقطاعيات مغلقة وأطفال بلا عوائل
تضم "أدغال دنكيرك" ما بين 2500 إلى 3000 مهاجر،
في قفزة قياسية مقارنة بالسنوات الماضية؛ حيث تحولت الغابة إلى مخيم عشوائي تقسمه
الأسلاك الشائكة إلى مناطق نفوذ حصرية لشبكات التهريب، يحظر على أي مهاجر تجاوزها
تجنباً لمعارك "سرقة الركاب" بين المهربين المتنافسين.
ولعل أخطر ما رصده برنامج (مازال للقصة بقية - هێشتا ماویەتی)،
هو الحضور اللافت للأطفال واليافعين غير المصحوبين بذويهم؛ أحدهم فتى يبلغ من
العمر 12 عاماً فقط قدم بمفرده من مدينة سردشت، وآخر يُدعى "ألند" (15
عاماً) من قضاء قلعة دزة خاض 9 محاولات فاشلة للعبور، مؤكداً أن عائلته طلبت منه
مواصلة المسير بعدما استُنزفت أموالهم ولم يعد هناك سبيل للتراجع.
ولا تتوقف المأساة عند حدود المخاطر الأمنية؛ إذ تشهد
الغابة أوضاعاً صحية كارثية أدت لوفاة مهاجرين جراء تفشي فيروسات وأوبئة غامضة، في
وقت يقابل فيه المهاجرون جهود المنظمات الطبية بالريبة والتوجس ورفض أخذ اللقاحات
خشية استخدامها ضدهم.
سوق سوداء وتجارة القضايا المفبركة
يكشف البرنامج عن جانب خفي في اقتصاديات الهجرة غير
الشرعية؛ إذ ينفق المهاجر الواحد ما يزيد على 20 ألف دولار أميركي للوصول إلى هذه
النقطة من الساحل الفرنسي.
وفي قلب الغابة، تنشط تجارة موازية تبيع "ملفات لجوء
سياسي مفبركة"؛ حيث يضطر المهاجرون القادمون من إقليم كوردستان والعراق إلى
شراء قضايا لجوء تدّعي أنهم رعايا إيرانيون فارون من الاضطهاد في كوردستان إيران،
وتُباع هذه الإفادات الجاهزة بأسعار تتراوح بين 500 و1500 دولار، وتصل في بعض
الحالات المضمونة قانونياً إلى 6000 دولار للوثيقة الواحدة، لتسهيل نيل اللجوء
أمام المحاكم البريطانية.
كما عبّر مهاجرون ومقيمون في المخيم عن صدمة عميقة من واقع
الحياة في أوروبا، متحدثين عن تفكك أسري واسع، وانزلاق شبان في تعاطي المخدرات بعد
ضياع سنوات من الانتظار، مؤكدين أن ما يدفع الناس للهجرة ليس الرفاهية وإنما تردي
الأوضاع المعيشية وانعدام الخدمات الأساسية وفرص العمل، ما خلق ظاهرة "هجرة
بالعدوى والتقليد الأعمى".
تكتيك "الإشغال".. معارك الشاطئ وقوارب الموت
على شاطئ "إيكيان بلاج" المحاذي لمدينة كاليه،
وثقت الكاميرا فجر إحدى الليالي عملية إنزال درامية لقارب مطاطي تم التخطيط لها
بإحكام عسكري من قِبل المهربين.
وللإفلات من المروحيات وأجهزة الرصد التابعة للشرطة
الفرنسية، لجأت مجموعات من المهاجرين إلى خطة تمويه عبر افتعال اشتباك جانبي
وتشتيت الدوريات الأمنية وإجبارها على إطلاق الغاز المسيل للدموع في نقطة بعيدة،
في حين اندفعت في اللحظة ذاتها كتلة بشرية تضم أكثر من 100 شخص من قلب الأحراش
لإنزال قارب مطاطي ضخم إلى الماء في وضح الليل الدامس.
وأسفر التدافع الهستيري وسط أمواج البحر الباردة عن إبحار
القارب وعلى متنه 84 شخصاً، بينما تُرك 17 مهاجراً – بينهم نساء وعراقيون وأفارقة
– عالقين في مياه البحر بعد تعذر صعودهم وعجزهم عن اللحاق بالمحرك الذي انطلق نحو
المياه الإقليمية البريطانية، وسط مشاعر عارمة من الغضب وصب اللعنات على قادة
القارب.
وكانت محاولات مماثلة قد أسفرت قبل ذلك بيوم واحد عن مأساة
اختناق أربعة مهاجرين ومصرعهم داخل أحد الزوارق نتيجة التكدس المفرط وانعدام الأوكسجين،
وكان بينهم أطفال رُضّع جرى انتشال جثامينهم بأيدي رفاقهم.
أرقام متصاعدة وأفق مسدود
تكشف البيانات الرسمية البريطانية عن نجاح مئات المهاجرين
في كسر الحصار الأمني الفرنسي يومياً؛ ففي مطلع تشرين الأول، تمكنت قوارب عدة من
إيصال ما يزيد على 1,500 مهاجر خلال ثلاثة أيام متتالية فقط (منهم 609 في يوم واحد
عبر 8 قوارب).
ويخلص البرنامج إلى أن كل التعزيزات والاتفاقيات الأمنية بين
باريس ولندن تظل عاجزة عن سد هذه الفجوة؛ إذ إن تدفق قوارب الموت لا تحركه سلامة
الطريق بل استحالة البقاء في بلدان المنشأ؛ فحين يضع المهاجر قدمه على رمال
الشاطئ، تتلاشى كل الحسابات ولا يتبقى أمامه سوى خيارين: إما ملامسة اليابسة
البريطانية، أو الغرق في قاع المانش.



