رووداو
ديجيتال
عادت أجواء الهدوء الحذر لمدينة
السقيلبية ذات الغالبية المسيحية في ريف حماة الغربي، وسط انتشار أمني مكثف لقوى
الأمن الداخلي على مداخل المدينة ومخارجها وفي الأحياء الرئيسية، وذلك عقب ليلة
شهدت توتراً أمنياً وإطلاق نار واعتداءات طالت عدداً من المحال التجارية
والممتلكات الخاصة، ما أثار حالة من الخوف والهلع بين الأهالي وأعاد الحديث عن
ديمومة السلم الأهلي وآليات حمايته إلى الواجهة، وذلك وفقاً للمرصد السوري لحقوق
الانسان.
تفاصيل
الشرارة الأولى وتبادل التوتر الميداني
تعود بداية الأحداث إلى مساء يوم
الجمعة (2 تشرين الأول 2026)، عندما وثّق نشطاء من داخل المدينة إقدام مجموعة من
الشبان القادمين من إحدى البلدات المجاورة، والتي "رُجح أنها بلدة قلعة
المضيق، على التحرش لفظياً بفتاتين" من أبناء المدينة في منطقة (شارع المشوار)
الحيوي وسط السقيلبية.
دفع هذا التصرف عدداً من شبان المدينة
إلى التدخل الفوري لـ"حماية الفتاتين وضبط الشارع"، ونشبت على إثر ذلك
مشاجرة وتدافع بالأيدي بين الطرفين، انتهت بـ"إخراج الشبان المهاجمين من
أطراف المدينة وطرد المعتدين من أحياء السقيلبية".
فيما قالت الباحثة سالي عبيد في منشور
لها على الفيسبوك: "في 3
و4 تشرين الأول 2026، يتكرر المشهد مرة أخرى. إطلاق نار باتجاه المنازل والمحال،
تخريب ممتلكات، إصابة امرأة، مداهمات واعتقالات، فيما تعود الرواية الرسمية مجدداً
إلى الكلمة السحرية نفسها: "مشاجرة".
تصعيد الهجوم
وبداية أعمال العنف
لم تقف الحادثة عند حدود المشاجرة
الفردية؛ إذ أظهرت مقاطع فيديو من داخل المدينة تصعيداً ميدانياً سريع عقب استدعاء
المهاجمين لمجموعة مسلحة بكثافة من خارج المنطقة، يُعتقد أنهم قدموا من جهة بلدة
قلعة المضيق تحت ما يُعرف محلياً بـ "الفزعة".
اقتحمت المجموعة أطراف السقيلبية وسط
حالة من الاستنفار الشديد، وأقدمت على إطلاق النار العشوائي تجاه عدد من المنازل
والمحال التجارية والممتلكات الخاصة، رافقتها أعمال تكسير وتخريب متعمد لبعض
الواجهات التجارية وترويع للمواطنين في منازلهم.
الموقف
الحكومي الرسمي
في بيان رسمي أصدرته مديرية إعلام
حماة يوم السبت (3 تشرين الأول 2026)، أعلنت السلطات احتواء قوى الأمن الداخلي
للحادثة فور وقوعها وإعادة الهدوء والاستقرار لمدينة السقيلبية.
ووصف البيان الرسمي التطورات بأنها "مشاجرة
بين عدد من الشبان"، معيداً أسباب التصعيد إلى "وجود محاولات تحريض
ممنهجة تقف خلفها منصات وصفحات معادية تسعى للنيل من النسيج الاجتماعي وزرع الفتنة
بين أبناء الوطن الواحد".
كما أكدت المديرية نشر تعزيزات أمنية
واسعة في مدينتي السقيلبية وقلعة المضيق لمنع أي خروقات جديدة، إلى جانب اعتقال
جميع المتورطين في المشاجرة وتوقيفهم تمهيداً لإحالتهم إلى الجهات القضائية
المختصة، داعيةً الأهالي إلى استقاء الأخبار من المصادر الرسمية فقط.
الموقف
الديني في السقيلبية
من جانبه، أدان كاهن رعية السقيلبية
الأب فادي سنكري، في بيان وجهه لأبناء رعيته يوم السبت (3 تشرين الأول 2026)،
الهجوم واقتحام المنازل وتهديد أمن الأهالي، مؤكداً أن "السلاح المنفلت لا
يمكن أن يكون بديلاً عن دولة القانون".
وأضاف: " نحن لا نريد الفوضى ولا نريد الانتقام، لكننا
أيضاً لن نقبل أن يعيش أبناؤنا تحت الخوف أو أن تتكرر مأساة الخراب التي عرفناها
من قبل".
وطالب الأب سنكري الجهات المعنية بـ"تحمل
مسؤولياتها كاملة في حماية الأهالي وفرض منطق الأمن والعدالة والمحاسبة للجميع
بعيداً عن منطق الثأر أو الفوضى"، مناشداً أبناء المدينة بـ"التماسك
وحماية النساء والأطفال وكبار السن، وعدم الانجرار خلف أشكال العنف كافة"،
قائلاً إن "الدم إذا سال لا يعيد بيتاً ولا يحمي مستقبلاً".
مواقف
وإدانات سياسية
أصدر حزب الاتحاد السرياني بياناً
رسمياً يوم الأحد (4 تشرين الأول 2026) أدان فيه أعمال العنف والاعتداءات بأشد
العبارات، مؤكداً أن "العدالة الانتقالية والمحاسبة هما مسؤولية مؤسسات
الدولة والقضاء وليسا مسؤولية الأفراد أو الجماعات المسلحة".
وقال الحزب في بيانه: "إن ما حدث ليس حادثًا
جديداً، إذ سبق أن شهدت ذات البلدة خلال الفترة الماضية توترات واعتداءات مماثلة
من المناطق المجاورة ، رغم وجود تفاهمات واتفاقات بين الوجهاء بهدف منع تكرار هذه
الأحداث. وإن عدم احترام تلك التفاهمات يؤكد الحاجة إلى تدخل مؤسسات الدولة بصورة
حازمة وقانونية ومحاسبة المعتدين لمنع تكرار الاعتداءات وحماية المدنيين".
وطالب الحزب بـ"فتح تحقيق قانوني
شفاف ومستقل في الحادثة وتحديد كافة المسؤولين عنها، والعمل على حماية جميع
المواطنين وممتلكاتهم دون تمييز على أسس دينية أو مناطقية"، مشدداً على "ضرورة
إلزام الأطراف كافة بتفعيل التفاهمات المحلية السابقة بضمانة رسمية".
كما أدرج الحزب ضمن مطالبه "ضرورة
إتاحة الفرصة للشباب المسيحي للانتساب إلى أجهزة الأمن الداخلي لحماية مناطقهم
وممتلكاتهم ضمن الهيكلية الرسمية لوزارة الداخلية"، مشيراً إلى أنه في حال
الرفض يبقى أمام الأهالي خيار "الاعتماد على الحماية الذاتية".
التحذيرات
الحقوقية وانتقادات الأداء الأمني ميدانياً
شدد المرصد السوري لحقوق الإنسان في
تقريره الصادر عقب الأحداث على أن تكرار هذا النمط من الحوادث واكتفاء الأطراف
بحلول الصلح العرفية والتسويات المؤقتة "لم يعد كافياً"، داعياً إلى
معالجة أمنية وقانونية جذرية تحاسب جميع المتورطين وتمنع تحول المشاجرات الفردية
إلى "فزعات طائفية أو مناطقية تهدد السلم الأهلي".
وفي سياق متصل، انتقدت الباحثة السياسية سالي عبيد، في تصريح لها يوم السبت (3 تشرين الأول 2026)،
طبيعة المداهمات الأمنية التي نفذتها قوات الأمن العام، مشيرة إلى أنها طالت منازل
أهالي السقيلبية وشبان المدينة الذين تعرضوا للاعتداء أصلاً، واعتقلت زهاء عشرة
منهم مع الاعتداء على نساء داخل المنازل بينما بقي المعتدون الأصليون خارج دائرة
المحاسبة، واعتبرت عبيد أنه "لا معنى للفصل بين المعتدين والأجهزة الرسمية
عندما يكمل الطرف الرسمي الاعتداء ويحمي الجناة".
وقالت عبيد في بيان وجهته لوسائل الإعلام: "لم يعد مقبولاً،
مهنياً ولا أخلاقياً، اختزال الاعتداءات المتكررة في السقيلبية تحت مسمى
"مشاجرة بين شبان"، بعد أن أصبحت المقاطع المصورة والشهادات والتحقيقات
المستقلة متاحة للجميع؛ فالحقيقة لم تعد تُدفن عبر بيان أمني من ثلاثة أسطر".
وأضافت: "السقيلبية لم تصل إلى هذه الليلة من فراغ؛ فمنذ كانون
الأول 2024 تتكرر الاعتداءات على المدينة ذات الغالبية المسيحية، بدءاً من استهداف
كنيسة آيا صوفيا وإحراق شجرة الميلاد، مروراً بأحداث آذار وتموز 2026 التي شهدت
دخول مجموعات مسلحة وتخريب الممتلكات، وصولاً إلى الأحداث الأخيرة".
الكاتبة سالي عبيد قالت: " لا تتعاملوا مع ما يجري في
السقيلبية وكأنه شأن مسيحي ضيق لا يعني بقية السوريين أو بقية المنطقة. عندما يصبح
المعتدي واثقاً من الإفلات من العقاب، وعندما يصبح الإعلام مستعداً لقبول الرواية
الأسهل، فإن الخطر لا يبقى محصوراً في طائفة أو مدينة. ومن يظن أنه بمنأى عن هذا
النمط، فليبحث في تاريخ الجماعات التي تتعامل اليوم مع القوة باعتبارها بديلاً عن
القانون، وليقرأ كيف تعاملت مع كل من اختلف معها أو وقف في طريقها".
ترقب ومسار
الأوضاع في المنطقة
تستمر حالة الهدوء المشوب بالحذر في
السقيلبية بالتوازي مع الانتشار المكثف للقوى الأمنية والاستمرار في التحقيقات
القضائية والأمنية، بينما تتجه أنظار الأهالي والمتابعين للشأن المحلي إلى
الإجراءات الصارمة والخطوات التي ستتخذها الجهات الرسمية لاحتواء الفتنة ومنع تجدد
التوترات، ومحاسبة المتسببين فيها لضمان عدم استغلال الحوادث الفردية في إشعال
أزمات أوسع بالمنطقة.



