عندما تكون الدولة ضعيفة تكون النتيجة رفع أعلام متعددة غير العلم الرسمي للدولة وظهور كيانات وتيارات تقوّض عملها وتعيق تقدمها وتجعلها في صراع داخلي وخارجي مستمر ومستدام ويأخذ أشكالاً وعناوين متعددة ومختلفة حسب الظروف الزمانية والمكانية والإقليمية والدولية والمجتمعية.
هذا الأمر يجعل الحاكمية السياسية في حالة خوف وتردد بين أن تكون دولة تحصر السلاح أو تنزعه وتحتكر العنف وبنفس الوقت تمتلك سلاحاً يهدد الدولة، ولا يمكن وفق هذه المعادلة الحديث عن الدولة ومؤسساتها في ظل وجود اللادولة والسلاح الذي يمنح عنواناً مقدساً، مع حالة الضعف السياسي والبنيوي في هيكلها التنظيمي والإداري والمجتمعي والأمني وعدم احترام الدستور والقانون، وهذا المسار يقود إلى نشوء الدولة العميقة والدولة الموازية، وظهور دولتين في دولة ما مؤشر خطير ينذر بمشاكل كبيرة، وعلاجها قد يكون صعباً جداً ويحتاج إلى آليات قد لا تتوفر بسهولة، وأصعب ما تمر به الدول هو بروز الدولة الموازية المتمثلة برجال الدين والزعامات الاجتماعية والعشائرية والحزبية ورجال الأعمال والعصابات المنظمة، والمليشيات الذين يحاولون التغلغل داخل الدولة الرسمية لغرض حماية أموالهم، ومصالحهم، وسلاحهم، بالمقابل استغلال موارد الدولة وحصانتها لتحقيق أهدافهم.
الدولة القوية هي التي تحترم دستورها وقانونها وتطبقه دون انتقائية أو منح استثناء، لأن بعض الاستثناءات مثل المرض الذي يسري ببطء وينخر الدولة من الداخل، حتى يستفحل فينقض على الجسد الحقيقي ويأكله تماماً، مثلما يحصل في السودان والصراع بين الجيش والدعم السريع، وما يحصل في سوريا ما بين الجيش العربي السوري وقوات قسد، وما يحصل في ليبيا بين حكومة الوفاق الوطني في طرابلس، والحكومة المؤقتة في شرق ليبيا المرتبطة بالمشير خليفة حفتر، وما يحصل في اليمن بين الحكومة المعترف بها دولياً والمجلس الانتقالي الجنوبي وجماعة الحوثي، وما يحصل في لبنان بين الحكومة وحزب الله، وما حصل لروسيا مع قوات فاغنر عندما وجه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لزعيم مرتزقة فاغنر يفغيني بريغوجين تهمة بالخيانة والشروع في تمرد مسلح وتوجيه "طعنة في ظهر روسيا"، رد بريغوجين، إن هدفه "ليس انقلاباً عسكرياً بل مسيرة نحو العدالة"، إلى أن تم إسقاط طائرته وقضت روسيا على هذا التمرد، وأخيراً ما يحصل في العراق فإن النتيجة معروفة التي تتمثل بصدام مسلح ما بين الدولة الموازية والدولة الرسمية ما لم يتم معالجة الوضع.
النصوص الدستورية والقانونية لمواجهة السلاح خارج سيطرة الدولة:
الدستور العراقي لعام 2005 يحظر تكوين مليشيات خارج إطار القوات المسلحة العراقية مثلما نصت المادة (9/أولاً/ب)، نص واضح صريح لا يقبل الاجتهاد، فضلاً عن قانون الأحزاب السياسية رقم (36) لسنة 2015 تحدث بصراحة عن حظر الأحزاب التي تمتلك أجنحة مسلحة ولا يمكن لها المشاركة في العملية السياسية والانتخابية، مثل نص المادة (8/ثالثاً) والتي نصت على "أن لا يكون تأسيس الحزب وعمله متخذاً شكل التنظيمات العسكرية أو شبه العسكرية، كما لا يجوز الارتباط بأية قوة مسلحة"، ونص المادة (47) من نفس القانون "يعاقب بالسجن كل من أقام داخل الحزب تنظيماً عسكرياً أو ربط الحزب بمثل هذا التنظيم، ويحل الحزب إذا ثبت علم الحزب بوجود التنظيم العسكري"، أيضاً قانون الانتخابات العراقي رقم (12) لسنة (2018) المعدل أشار بوضوح إلى عدم إمكانية اشتراك الجهات التي تمتلك أجنحة مسلحة بالانتخابات مثل نص المادة (30/ثانياً) والتي نصت على "يحرم أي حزب أو تنظيم سياسي يحتفظ بمليشيات مسلحة من المشاركة في الانتخابات"، ولكن مع كل هذه النصوص الصريحة والواضحة كانت نتائج انتخابات الدورة البرلمانية السادسة هي صعود قرابة (70) نائباً ينتمي لأحزاب سياسية تمتلك أجنحة مسلحة، أي بمعنى خرق واضح فاضح للقانون والدستور، والعجيب الغريب أن الجناح السياسي هو من يفرض سيطرته على الحكم والجناح المسلح لنفس الجهة أكثر من يقوض هذا الحكم لعدة عوامل داخلية وخارجية، أي أن تكون دولة واللادولة بنفس الوقت، أنا الدولة ولدي سلاح خارج إطار الدولة.
التلاعب بالمصطلحات "حصر السلاح، نزع السلاح، تنظيم السلاح"
الفواعل السياسية بالعراق بارعة في لوي المصطلحات وحرف الإجابة عن معناها الحقيقي، ويمكن القول أن حصر السلاح هو تقليل كمية السلاح، ويكون تحت سيطرة الحكومة وبعلمها ولا يتحرك إلا برسالة حركات من قيادة العمليات المشتركة، بينما نزع السلاح هو إزالته بالكامل، وتسليمه إلى الحكومة، أما تنظيم السلاح هو وضع قواعد لاستخدامه وحمله ولدينا قانون رقم (51) لسنة 2017 المكون من (31) مادة والذي لا يسمح بحيازة وحمل الأسلحة الثقيلة، فعلياً ما بين "حصر، نزع، تنظيم" لا يمكن للدولة أن تفرض هيبتها وسيطرتها دون أن يتم نزع السلاح واحتكار العنف، حيث تقول الفيلسوفة الأميركية ذات الأصول الألمانية حنا أردنت "لا يمكن تخيل السلطة كسلطة دون عنف"، وتقول حنا أرندت في كتابها "في العنف" إن كانت السلطة لا تحتاج إلى تبرير فإن العنف هو ما يبررها ويجعلها مسيطرة، فلا يمكن تصور سلطة دون استحضار عتادها العسكري والأمني الذي تطبق به عنفها المشروع. ولهذا تشير حنا أرندت لكون كل من نظّر في السياسية لحد الآن يتفق على هاته النقطة، ويقول عالم الاجتماع الأميركي رايت ميلز: كل السياسات صراع حول السلطة، والعنف هو الشكل الأخير للسلطة" كما أكد عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر بأن الدولة هي هيمنة الإنسان على الإنسان باستعمال العنف المشروع.
متى تقول الدولة "وداعاً للسلاح خارج سيطرتها"؟ توجد رواية تحمل عنوان "وداعاً للسلاح"، والتي تعدّ من أشهر ما كتبه الأديب الأميركي الشهير إرنست همنغواي "1899-1961"، وتدور أحداثها في إيطاليا خلال الحرب العالمية الأولى، بطلها ملازم أميركي شاب يدعى "فريدريك هنري" يعمل في مجال الإسعاف والإنقاذ لحساب أحد المستشفيات الميدانية، ويمكن القول إن الرسالة الرئيسية التي تحملها الرواية هي صرخة احتجاج ضد فظائع وويلات الحروب عموماً، والسلاح الذي يهدد حياة الناس، ومن هذه الرواية كانت استعارتي للعنوان كسؤال يطرح، ولكن حتى الدولة نفسها ليس لديها إجابة، لأن المنهاج الحكومي للسيد رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني بالصفحة (20) نقطة (9) أشار إلى إنهاء ظاهرة السلاح المنفلت خارج سيطرة الدولة، علماً أن المنهاج مصوت عليه داخل مجلس النواب استناداً للمادة (76/ رابعاً) من الدستور، وقبله من رؤساء لم يستطيعوا حصر السلاح أو نزعه أو تنظيمه إلا في حالات معينة مثل قرار رقم (91) لسنة 2004 في زمن سلطة "الائتلاف" الاحتلال، حيث كان يحمل عنوان "تنظيم القوات المسلحة والمليشيات في العراق"، حيث تم دمج كثير من العناصر في الشرطة والجيش، وبعدها عام (2008, 2009) دمج الصحوات التي قاتلت تنظيم القاعدة، حيث تم دعم 70% بالمؤسسات المدنية والعسكرية والأمنية، و20% لم يتم معالجة أمرهم، ولكن الأمر صعب جداً طرح هذه الفكرة اليوم لأن هناك من يعطي لهذا السلاح صفة القداسة ويقول "لا أسلم السلاح إلا للإمام المهدي" للإشارة إلى صعوبة تسليمه.
الأمر الآخر عندما نتحدث فعلياً عن حصر السلاح ونزعه أجد هناك صعوبة بالتطبيق، لأن السلاح هو جزء من ثقافة المجتمع العراقي، حيث تجد يستخدم السلاح كهدية بين شيوخ ووجهاء العشائر، لذلك أقول إن طرح مثل هذه الأفكار ستواجه صعوبة بالتطبيق، وأن الجهات التي تمتلك جناحين سياسي ومسلح تجد أن السلاح يحكي مصالحها السياسية والمالية والاقتصادية، والأهم من ذلك تجده عامل مهم لاستمرار "الحاكمية السياسية".
"العراق بين الدولة العميقة والدولة الموازية"
بالعراق توجد دولتان إلى جانب الدولة الرسمية الأولى "عميقة" والثانية "موازية"، أما الدولة العميقة (Deep state) هي مجموعة من الهيئات أو المؤسسات أو المنظمات والتشكيلات التي تعمل في الخفاء وتحت ظل نظام مؤسساتي وإشراف الحكومة المركزية، والتي تعتبر قوة ومساعد ومعاضد للدولة الفعلية من خلال صنع القرار وإعطاء الرؤية لتحقيق الأهداف وترفع المعوقات من أمام الدولة الرسمية، وكثيراً ما يتحقق مفهوم الدولة العميقة في الأجهزة الأمنية والأمن الوطني والمخابرات، وهذا هو الجانب الإيجابي في الدولة العميقة كما هو المعمول به في أمريكا وبريطانيا وبعض الدول الأخرى من خلال أجهزة الأمن والمخابرات والتي تعمل بنظام سري دقيق ولها خصوصياتها ومشاريعها وأهدافها وهي في ذات الوقت لا تتعارض مع الخطوط العامة للحكومة الفعلية وتحافظ على الأمن القومي للبلد.
أما الجانب السلبي في الدولة العميقة، هو خروجها عن وظيفتها الأصلية والتي لأجلها أُسست وأُنشأت فيكمن في توسعها وتحكمها في النظام السياسي وفرض إرادتها على الدولة الفعلية وقد تصل إلى انقلابها على الدولة الرسمية وهذا ليس ببعيد لأن الدولة العميقة لها أذرع في جميع المؤسسات وتفرض سيطرتها عليها، وتمتلك مفاتيح أغلب الأقفال المهم.
بينما الدولة الموازية وهي الأخطر على الدولة الرسمية لأن الدولة الموازية (parallel state) والذي صاغه المؤرخ الأميركي (Robert Paxton) يقول هي مجموعة المنظمات أو المؤسسات التي تشبه الدولة في تنظيمها وإدارتها وهيكلها، ولكنها ليست رسمياً جزء من الدولة الشرعية أو الحكومة.
وتتمثل الدولة الموازية بمجموعة من الأحزاب والتيارات والشخصيات الخارجة عن القانون والمليشيات التي تملك المال والسلاح والرجال وتمتلك القوة والقدرة وتعمل على تحقيق مصالحها الخاصة، وتعمل بشكل مستقل عن الدولة الفعلية وتعتبر نفسها فوق القانون والدستور، وقد تكون هي من تستحوذ على الجانب السياسي أي يكون لها وزراء وأعضاء في جميع الدوائر وفي الإعلام والفن وغيرها، ولها كيانها وهيئاتها وشبكاتها الإدارية، وتعمل الدولة الموازية لنفسها تماماً وبعرض الدولة الرسمية، وهذا إفراز طبيعي في ظل الضعف والفشل الذي يصيب النظام السياسي الرسمي في البلد، والفساد الإداري والاقتصادي والأمني والثقافي والسياسي والمحاصصة والاستقواء السياسي وضعف الرقابة والفشل على مستوى الخدمات وغياب العدالة الاجتماعية وإهمال التعليم، وفقدان المواطن روح الانتماء للوطن وتوجهه إلى عناوين فرعية وفقدانه الأبوة من قبل الحكومة الشرعية، وتعدد الولاءات والانتماءات بعيداً عن الانتماء الوطني، وبروز الهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية الجامعة الشاملة وغيرها أسباب ومناخات مشجعة ومحفزة لظهور الدولة الموازية.
من أجل أن تكون دولة محترمة تفرض سيادتها وسيطرتها على مؤسساتها عليها أن تطبق القانون والدستور وتفعّل الدول التشريعي وتمارس عملها على أساس مبدأ الفصل بين السلطات، وأن تحتكر العنف، مع تقوية القوات العسكرية والأمنية ولا تسمح بوجود سلاح خارج نطاق القوات المسلحة، وتعمل على فلترة الجهاز الأمني من الولاءات الحزبية وما يتعلق بالدولة الموازية، حتى لا نعطي مساحة للدول للتدخل بذريعة السلاح المنفلت وخارج سيطرة الدولة مثلما يحصل الآن مع العراق من قبل الإدارة الأميركية التي تهدد بين فترة وأخرى بفرض عقوبات قد تنذر بانهيار النظام السياسي.
