شيئاً فشيئاً يتحول منصب رئيس مجلس الوزراء من المسؤول التنفيذي عن تنفيذ السياسات العامة للبلد إلى موظف بصيغة عقد لتنفيذ سياسة مجموعة تشاورية تتقدم فيها المصالح الشخصية على حساب المصلحة العامة، على العكس من نص المادة (78) من الدستور: "رئيس مجلس الوزراء هو المسؤول التنفيذي المباشر عن السياسة العامة للدولة، والقائد العام للقوات المسلحة، يقوم بإدارة مجلس الوزراء ويترأس اجتماعاته، وله الحق بإقالة الوزراء، بموافقة مجلس النواب".
أي أن تعليماته تأتي من الجهة التي جاءت به، على العكس من المادة (80/ثالثاً): "إصدار الأنظمة والتعليمات والقرارات بهدف تنفيذ القوانين"، والسبب يكمن في الدور الذي يمارس من قبل الفاعلين السياسيين داخل الإطار، لاسيما بعد دورة المالكي الثانية لتقييد منصب رئيس مجلس الوزراء بشروط لا تسمح لمن يكون بالمنصب أن يهددهم انتخابياً.
لذلك في الدورة النيابية السادسة تم تشكيل لجنتين لاختيار رئيس مجلس وزراء على مقاسات الفاعلين السياسيين داخل الإطار التنسيقي دون النظر إلى المصلحة العامة والتحديات التي تحيط بالبلد، وسلسلة إضعاف منصب رئيس مجلس الوزراء بدأت منذ عام 2010 عندما انقلبت المحكمة الاتحادية على الدستور بتفسيرها رقم (25) لسنة (2010) فيما يتعلق بالمادة (76/أولاً): "يكلف رئيس الجمهورية مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً بتشكيل مجلس الوزراء خلال خمسة عشر يومًا من تاريخ انتخاب رئيس الجمهورية"، وفسرت المحكمة حينها أن الكتلة النيابية الأكثر عدداً هي التي تتشكل في أول جلسة لمجلس النواب وليس الكتلة الفائزة بالانتخابات!، ومن نافلة القول إن هذا التفسير ضرب المادة (5) من الدستور والتي نصت على "السيادة للقانون، والشعب مصدر السلطات وشرعيتها، يمارسها بالاقتراع السري العام المباشر وعبر مؤسساته الدستورية"، والشعب هو من اختار هذه الكتلة الفائزة بالانتخابات، حتى الإرادة التأسيسية كانت تقصد بالكتلة النيابية هي الفائزة وليس التي يتوافق عليها السياسيون داخل الجلسة الأولى لمجلس النواب، والدليل رئيس لجنة كتابة الدستور السيد همام حمودي في تصريح عبر إحدى الفضائيات قال: "كنا نعني بالكتلة النيابية أي الكتلة الفائزة بالانتخابات"، لأن عضو مجلس النواب يصبح عضواً عندما تصادق المحكمة الاتحادية على عضويته وليس في الجلسة الأولى لمجلس النواب، لذلك بعد هذا التفسير العجيب أصبح منصب رئيس مجلس الوزراء ليس نتاج صناديق الاقتراع وإنما التوافقات السياسية، مقابل لا قيمة للأحجام والأوزان الصوتية.
الإطار التنسيقي لا يريد تكرار تجربة السيد الكاظمي ويضع شروط تمنع استلام أي شخصية شغلت منصباً أمنياً في الحكومات السابقة حتى لا يضطر إلى عض الأصبع، حيث يحاول وضع من الآن الموانع من أجل أن يتفق على شخصية تحظى بتوافق قادة الإطار من دون أن يكون لها وزن صوتي داخل مجلس النواب، ولا يرشح للانتخابات، ويكون أشبه بموظف بصفة عقد لمدة 4 سنوات قابلة للتجديد بشرط الالتزام بالمحددات وعدم عبور الموانع التي تم وضعها، وهذا بحد ذاته تحجيم يصل حد التقزيم لمنصب رئيس مجلس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة، وتقييد لصلاحياته في المادة (80) من الدستور والتي من ضمنها "تخطيط وتنفيذ السياسة العامة للدولة والخطط العامة والإشراف على عمل الوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة".
كل هذه المعطيات ومتطلبات الإطار يحكمها معادلة خارجية تتعلق بالرؤية الأميركية اتجاه شخصية رئيس مجلس الوزراء أولها ألا يكون من خلفية ترتبط بالجماعات المسلحة، وهذه المعادلة حاكمة ولها تأثير، وهذا يبرز من تصريحات مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مارك سافايا، والذي سيكون متواجداً في العراق خلال الأسبوعين المقبلين لهندسة التحالفات والتوجهات، وبخلاف ذلك سيتم استخدام القوة الصلبة بشقيها "الاقتصادية والعسكرية".
الفاعلون السياسيون الشيعة أمام خيارات صعبة عطفاً على المعطيات الجيوسياسية المحيطة بالبلد تتعلق بتقديم شخصية لشغل منصب رئيس مجلس وزراء تكون على قدر كبير من المسؤولية لمواجهة التحديات التي تواجه البلد اقتصادياً وسياسياً ومالياً، وتجارياً، فضلاً عن ما يتعلق بملف المياه والزراعة، وتهريب النفط، وأزمة الطاقة، والأهم من ذلك التوازن في الساحة الدولية لاسيما ما بين إيران وأميركا.
