في بلد يعتمد على أكثر من 90% من إيراداته على النفط، لا تُعد الموازنة السنوية مجرد وثيقة مالية، بل تمثل خريطة طريق سياسية واقتصادية واجتماعية، ورغم ذلك، يدخل العراق النصف الثاني من عام 2025 من دون موازنة فعالة، مما يزيد من أزمة الثقة بين المواطن ومؤسسات الحكم، لاسيما السلطتين التنفيذية والتشريعية.
من المسؤول؟
غياب الموازنة يعني عملياً شللاً في الإنفاق الاستثماري، وتأخرا في تنفيذ المشاريع الخدمية، وعرقلة واضحة أمام فرص التوظيف الجديدة (إن وجدت!)، فضلاً عن تعطيل سداد المستحقات، والأخطر من ذلك، ما يسببه هذا الغياب من فوضى في توزيع الموارد بين المحافظات، وارتباك في التعامل مع الالتزامات المالية، مما يفتح الباب على مصراعيه أمام الفساد وسوء الاستخدام.
تقع مسؤولية تاخر إقرار الموازنة على عاتق السلطتين التنفيذية والتشريعية، فالحكومة مطالَبة بتقديم موازنة عام 2025 في موعدها القانوني، وهو ما لم يتم. ورغم أن البرلمان أقرّ موازنة ثلاثية للأعوام 2023–2025، فإن ذلك لا يُغني عن ضرورة تحديثها سنوياً بما يتناسب مع المتغيرات الاقتصادية والسياسية المستجدة.
ما الذي حدث؟
قد يُعزى تأخر الحكومة جزئياً إلى تعقيدات المشهد السياسي الداخلي، لكنّ البرلمان أيضًا يتحمّل قسطاً كبيراً من المسؤولية، إذ أخفق في ممارسة دوره الرقابي، سواء بالضغط على الحكومة لتقديم الموازنة، أو باستدعاء الجهات المعنية لمساءلتها عن أسباب التأخير.
هذا الفراغ المالي لا يمرّ دون أثر، إذ يُضعف الثقة بالعملية السياسية برمّتها، ويُكرّس لدى الشارع شعورا بأن الطبقة الحاكمة غير معنية بإيجاد حلول حقيقية. وبطبيعة الحال فأن غياب رؤية مالية واضحة يربك المستثمرين المحليين والأجانب على حد سواء، ويؤثر سلباً على استقرار السوق، خصوصاً في ظل تقلبات أسعار النفط وتذبذب سعر الصرف.
في المحافظات، يزداد القلق، ويعلو صوت التحذير، لمشهد المشاريع المتوقفة، والمواطن لا يرى أثراً ملموساً للإنفاق الحكومي، وهذا يزيد من الفجوة بين الحكومة المركزية والمناطق، وقد يفتح المجال أمام توترات محلية، خصوصاً في المناطق التي تعاني من ضعف الخدمات وارتفاع معدلات البطالة.
هل من حلول؟
الحل يبدأ بإرادة سياسية حقيقية تفصل بين الخلافات الحزبية والملف المالي، وبإدارة مهنية للموازنة بعيداً عن منطق المحاصصة، كما يجب تفعيل الدور الرقابي للبرلمان، وإعادة النظر في قانون الإدارة المالية لضمان تقديم الموازنة في وقتها المحدد، مع فرض عقوبات واضحة على الجهات المقصّرة.
ومن المهم أن تعمل الحكومة على تبني أدوات بديلة للتعامل مع غياب الموازنة، مثل اعتماد موازنات تشغيلية مؤقتة أو خطط إنفاق مرنة، إلى جانب تعزيز الشفافية لضمان رقابة شعبية وبرلمانية فاعلة.
نحن بحاجة إلى خطوات فورية وجادة (حكومة وبرلمان) لإصلاح آلية إعداد وإقرار الموازنة، وبدون ذلك، سيبقى العراق رهينة فراغ مالي يزيد من حدة الأزمات، ويحول دون تحقيق أي حلول آنية أو مستقبلية.
