لا نعلم عن أي ديمقراطية يتحدث بها البعض، فهي في الواقع متواضعة. هناك، إلى حد ما، حرية في التعبير، لكنها تظل تحت مطرقة بعض المتنفذين والأحزاب والكتل السياسية. والدليل الواضح على ذلك ما يحدث للناشطين المدنيين، والمدونين، والإعلاميين. ولو تفحصنا سجلات المحاكم، لرأينا ذلك بوضوح.
ينبغي دعم حرية التعبير قدر الإمكان، لأن سياسة تكميم الأفواه لا تُجدي نفعاً، لاسيما وأن الدستور الحالي كفل هذه الحرية ولا يمكن تجاوزه. إن الإجراءات القمعية تُعد مخالفة دستورية، وكان الأجدر بالقضاء العراقي الموقر ألا يحرّك دعاوى ضد من يمارسون حرية التعبير ضمن الأطر الديمقراطية، لا بغرض التنكيل أو التشهير.
نحن مع النقد البنّاء الهادف، لا من أجل التسقيط أو الابتزاز السياسي والمالي. فالنهوض بحرية الفكر والمعتقد ضرورة، خاصة وأننا مازلنا في بداية الطريق نحو حرية وديمقراطية فتية، تسعى لبناء أفكار سليمة تؤمن بوحدة البلاد وأمن العباد. وإن لم يُحترم هذا المسار، فإن النظام الديمقراطي سيتحول إلى ديكتاتورية حزبية، يهيمن عليها المتنفذون والعوائل، مما يؤدي إلى قيام "جمهورية الخوف".
الانتخابات بين الديمقراطية والدكتاتورية
بدأت ملامح نهاية العملية الديمقراطية في العراق بعد انتخابات عام 2010، حين فازت "القائمة العراقية" برئاسة الدكتور إياد علاوي. حينها، مارست معظم القوى السياسية ضغوطًا على المحكمة الاتحادية، التي أصدرت تفسيراً غير موفق يقضي بأن "الكتلة الأكبر" تتشكل بعد الانتخابات، في مخالفة صريحة لنص الدستور. جرى ذلك وسط مباركة إقليمية ودولية.
وتكرر المشهد ذاته في الانتخابات الأخيرة، حين فازت "قائمة سائرون" بزعامة السيد مقتدى الصدر، لكن الكتل السياسية الكبرى اختارت رئيساً للوزراء بشكل توافقي، بعيداً عن إرادة الشعب. هذا ما حصل في حكومات الدكتور عادل عبد المهدي، ومصطفى الكاظمي، ومحمد شياع السوداني.
إذا استمر هذا النهج، فما جدوى الانتخابات؟ فالموقع التنفيذي الأول في الدولة - رئاسة مجلس الوزراء - يُحسم بالتوافق بين الكتل وليس عبر صناديق الاقتراع. وهكذا، يصبح وجود الانتخابات من عدمها سيّان، بل قد يكون إلغاؤها أفضل للمحافظة على المال العام، والحد من استغلال النفوذ والفساد المالي والسياسي.
مخالفات دستورية
وصل عدد الأحزاب السياسية في العراق إلى رقم هائل. بعد كل دورة انتخابية، نشهد ولادة أحزاب جديدة على يد بعض أعضاء البرلمان أو الوزراء، ولا يتغير شيء سوى تبادل الأدوار.
كما أن بعض هذه الأحزاب تمتلك أجنحة مسلحة، في مخالفة صريحة للدستور الذي يمنع مشاركة أي كيان سياسي مسلح في الانتخابات. ومعظم الأحزاب الحالية تمتلك أذرعاً مسلحة، ما يطرح تساؤلات عن شرعية مخرجات الانتخابات، التي شابتها مخالفات واضحة منذ انطلاقتها.
في الوقت ذاته، هناك أزمة ثقة متفاقمة بين الدولة والمواطنين، تتجلى في انخفاض نسب المشاركة في الانتخابات النيابية الأخيرة. ومع ذلك، حصلت هذه الانتخابات على مباركة دولية، ما يُعد غير مقبول، إذ يبدو أن المجتمع الدولي أصبح شريكاً في دعم الفاسدين والمزوّرين، مما أدى إلى "وفاة" الديمقراطية بدلاً من تقدمها.
تصحيح مسار العملية السياسية
ينبغي تصحيح مسار العملية السياسية في العراق قبل فوات الأوان، ووضع حد للفوضى السياسية. فهل يُعقل أن يتجاوز عدد الأحزاب المشاركة في الانتخابات أكثر من 300 حزب؟! هذا الرقم دليل على انقسام الأفكار والمجتمع، لا على التعددية.
يجب عقد مؤتمر وطني واسع، يضم جميع القوى السياسية - سواء المشاركة أو غير المشاركة في العملية السياسية - تحت سقف الدستور، بهدف تجاوز التشظي والإخفاقات. كما ينبغي تعديل قانون الانتخابات عبر استفتاء شعبي، لا وفقاً لأهواء الكتل والأحزاب.
كذلك، من الضروري دعم شريحة الشباب في الانتخابات المقبلة، لأنهم قادة المستقبل وثروة العراق الوطنية. لقد ظهرت لدينا اليوم نخبة متميزة من الشباب، يمتلكون روحاً وطنية وثقافة سياسية واعية. يُعول العراقيون عليهم كثيراً، خاصة أن الجيل السياسي الحالي قد أخفق بشكل كبير في إدارة شؤون البلاد.
لذلك، فإن دعم الشباب ليس فقط واجباً وطنياً، بل هو أيضاً واجب قانوني ودستوري وشرعي. يجب أن يكون قانون الانتخابات عادلاً، يقف على مسافة واحدة من الجميع - أفراداً وكتلاً - في ظل إرادة الدستور، بعيداً عن أي تدخل خارجي، مهما كان مصدره.


.jpg&w=3840&q=75)
