في ظل تصاعد التوترات بين إسرائيل وإيران واذرعها، بالإضافة الى الاحداث المتلاحقة في سوريا، تزداد احتمالية توسع الصراع وخلق تحديات بما قد يؤدي الى تغييرات كبيرة في النظام الجيوسياسي لمنطقة الشرق الأوسط. في هذا المقال، نستعرض بعض النقاط التي نراها في غاية الأهمية بالنسبة لاقليم كوردستان، ونقدم بعض المقترحات للتعامل معها بفعالية.
أولاً - التغيرات الجيوسياسية وتأثيرها على الاقليم: هناك احتمال كبير بأن تفضي تداعيات الصراع الإسرائيلي - الإيراني والصراع في سوريا الى تغييرات كبيرة في الخارطة الجيوسياسية للشرق الأوسط. وفي هذا السياق، سيواجه اقليم كوردستان تحديات متعددة. لذلك، ينبغي على حكومة الاقليم أخذ جميع السيناريوهات المحتملة بعين الاعتبار، والاستعداد للتكيف مع أي واقع جديد يفرضه الصراع، بما يضمن حماية أمن الاقليم واستقراره ومصالحه. من الضروري أن تتمتع الحكومة بالمرونة السياسية لتكييف سياستها الخارجية بما يتناسب مع اي مستجدات نوعية. حيث يجب على الاقليم دراسة كل الاحتمالات الواردة بعناية، واستشراف المستقبل بدقة، ومن ثم بلورة ستراتيجيات مناسبة لكل هذه السيناريوهات، وتجهيز خطط عملية مدروسة لكل احتمال وسيناريو. كل ذلك يجب ان يكون مبنياً على رؤية واضحة لاقليم كوردستان. وعليه، ينبغي التركيز على بناء تحالفات ستراتيجية قائمة على المصالح المتبادلة، بهدف تحقيق اقصى استفادة ممكنة من هذه المرحلة.
ثانياً - الموقف الرسمي لاقليم كوردستان وستراتيجية الحياد: من الضروري ان تستمر القيادة السياسية في الموازنة بين العلاقات من خلال تبني خطاب سياسي يُعبر عن موقف الاقليم المحايد، لتجنب تحول كوردستان الى طرف في الصراع. وفي الوقت ذاته، لابد من تكثيف العمل الدبلوماسي عبر قنوات اتصال مفتوحة بالتنسيق مع الحكومة المركزية في بغداد، ليس فقط مع أطراف الصراع، وإنما أيضاً مع القوى الاقليمية والدولية، خاصة تركيا، دول الخليج، الولايات المتحدة، الاتحاد الاوروبي، بالإضافة الى روسيا وبريطانيا، بهدف تعزيز العلاقات والتحالفات وإدارة المخاطر المتوقعة في حال تدهور الوضع. للعمل الدبلوماسي المكثف أهمية كبيرة؛ إذ يمكن من خلاله أن يحصل الاقليم، ليس فقط على الدعم الدبلوماسي اللازم، وإنما أيضاً على الدعم الاقتصادي والعسكري، بما يضمن حماية وجوده ومصالحه في حال اتساع دائرة الحرب.
ثالثاً - التداعيات الأمنية المحتملة وكيفية مواجهتها: لايزال هناك احتمال كبير بأن تفاقم الصراع بين الاطراف المختلفة في سوريا سيؤدي الى توسيع دائرته ليشمل مناطق عدة في المنطقة، بما في ذلك العراق. ومن المتوقع أن تستهدف إسرائيل الميليشيات العراقية التابعة لإيران، التي تُعد إحدى أذرعها الرئيسية في المنطقة، مما قد يترتب عليه تداعيات أمنية خطيرة في العراق، يمكن أن تمتد الى كوردستان. قد يحدث هذا نتيجة لتحركات هذه الميليشيات من جهة، والجماعات المتطرفة من جهة أخرى ضد كوردستان. لذلك، ينبغي على حكومة اقليم كوردستان الاستمرار في تعزيز التعاون الاستخباراتي والعسكري مع الشركاء الاقليميين والدوليين، ومراقبة تحركات تلك الميليشيات والجماعات. كما يجب السعي للحصول على الدعم العسكري اللازم لحماية أراضي الاقليم ومواطنيه.
رابعاً - مدى استعداد الاقليم لإحتمالية تدفق اللاجئين: هناك احتمال كبير لحدوث نزوح واسع من داخل وخارج العراق بإتجاه كوردستان، في حال اتسعت دائرة الصراع في سوريا الى غرب كورستان وصولاً الى العراق، او إذا استهدفت إسرائيل العراق بسبب هجمات الفصائل المسلحة، وانجرار العراق الى الصراع الدائر في المنطقة. إذ تعتبر كوردستان منطقة آمنة ومستقرة للاجئين. ولكن، مع أن لكوردستان تجارب ناجحة في استقبال آلاف اللاجئين العراقيين وغير العراقيين في مناسبات عديدة، إلا أن على حكومة الاقليم التأهب والاستعداد لاحتمال تدفق واسع النطاق، خصوصاً في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تمر بها كوردستان نتيجة الخلافات مع بغداد حول رواتب موظفيها وحصتها من الموازنة. لذا، ينبغي على حكومة الاقليم التواصل مع الجهات الدولة لتأمين الدعم اللازم عند وقوع هذا السيناريو، مع اتخاذ الإجراءات اللازمة لرصد تسلل عناصر وقادة الفصائل والجماعات المتطرفة بين اللاجئين.
خامساً - مستقبل كركوك والمناطق المتنازع عليها في ظل الصراع الراهن: سبق أن شكلت الفصائل المسلحة، وكذلك الجماعات المتطرفة، تهديداً مباشراً لأمن محافظة كركوك والمناطق الكوردستانية الواقعة خارج إدارة الاقليم، وسعت الى إحداث تغييرات ديمغرافية فيها. لذا، ينبغي على حكومة الاقليم توجيه الأجهزة الأمنية والاستخباراتية لتتبع تحركات تلك الجماعات ورصد أنشطتها بشكل مكثف، لمنعها من تهديد أمن تلك المناطق وزعزعة استقرارها او استغلال الفرصة لإجراء أي تغيير ديمغرافي، مثل توطين النازحين من خارج العراق فيها. كما ينبغي على حكومة الاقليم، بالتنسيق مع الحكومة المركزية وقوات التحالف، اتخاذ الخطوات التالية:
1- بلورة سياسات لتحييد نفوذ تلك الجماعات والعمل على منعها من فرض سيطرتها على تلك المناطق.
2- وضع خطط عسكرية دقيقة بالتنسيق مع الحكومة الاتحادية لضمان دخول قوات البشمركة الى كركوك والمناطق الأخرى في حال حدوث أي فراغ أمني ناتج عن الحرب.
سادساً - الأخذ بزمام المبادرة لتحقيق أهداف الاقليم: في ظل الصراع القائم والتغييرات المحتملة في منطقة شرق الأوسط، وفوز دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة، تستعد دول المنطقة للتعامل مع توجهات الإدارة الجديدة في واشنطن فيما يتعلق بهذا الصراع والتغييرات بطرق مختلفة. حيث تعمل بعض الدول على إعداد ملفاتها لتقديمها للإدارة الجديدة منتظرة ردها، بينما تبادر دول اخرى بإتخاذ خطوات عملية - بناءً على خطط جاهزة للتعامل مع السيناريوهات المختلفة - لخلق واقع جديد يُمهد لإيجاد حلول تتماشى مع مصالحها ورؤاها الستراتيجية.
لذلك، من الظروري جداً أن تستعد قيادة اقليم كوردستان لهذه المرحلة، وأن تجهز الملفات المتعلقة بالقضايا الأساسية التي ترغب في حلها، خصوصاً ما يتعلق بأمنها الوطني ومستقبلها، بالإضافة الى كل من القضية الكوردية في سوريا وإيران. ينبغي على قيادة الاقليم إعداد هذه الملفات برؤية استراتيجية واضحة وخطط إجرائية دقيقة تُحدد كيفية حل هذه القضايا بناءً على المصلحة الوطنية. ولكن قبل طرح هذه الملفات، يجب أن يعمل الاقليم كقوة فاعلة من خلال اتخاذ خطوات عملية لخلق واقع يمهد لذلك، ومن ثم المبادرة بطرح هذه القضايا على الإدارة الأميركية الجديدة، مع الأخذ في الاعتبار طبيعة ترمب التجارية ونهجه البراغماتي. ويجب أن تُكيف الحلول المطروحة لتتماشى مع سياساته من خلال تسليط الضوء على المصلحة الاقتصادية والسياسية المتبادلة. بمعنى آخر، ينبغي أن يبُنى الحل المطروح لكل قضية على الإجابة عن سؤال جوهري: ما هي الفوائد الاقتصادية والسياسية التي ستجنيها الإدارة الأميركية الجديدة - ودونالد ترامب شخصياً - من الحلول المطروحة؟.
في الختام، يتطلب الوضع الراهن في منطقة الشرق الأوسط، وما قد يفرضه من تحديات على اقليم كوردستان، أخذ التداعيات على محمل الجد، والعمل على استشراف السيناريوهات المحتملة، وتطوير ستراتيجيات وخطط عملية مناسبة للتعامل معها. حيث يحتاج الاقليم الى بلورة رؤية ستراتيجية واضحة لأهدافه القريبة والبعيدة، مع الأخذ بزمام المبادرة لتحقيق هذه الأهداف، وذلك من خلال الاستفادة القصوى من أي واقع جديد قد يفرض نفسه.



