يكشف تقرير وزارة الخارجية
الأميركية عن مناخ الاستثمار في العراق لعام 2026 عن مجموعة من الاختلالات
الهيكلية التي مازالت تعيق تحول الاقتصاد العراقي من نموذج يعتمد على الإيرادات
النفطية والإنفاق الحكومي إلى اقتصاد متنوع تقوده الاستثمارات والأنشطة الإنتاجية.
ولا تقتصر أهمية التقرير، الصادر
عن مكتب الشؤون الاقتصادية والطاقة والأعمال، على تشخيص المشكلات الاقتصادية، بل
تمتد إلى كونه مرجعاً تستعين به الشركات الأميركية والدولية في تقييم المخاطر
والفرص الاستثمارية. ولذلك فإن ما يرد فيه يستحق اهتمام المؤسسات العراقية، سواء
بالاستفادة من الملاحظات الواردة فيه أو بتصحيح المعلومات التي ترى أنها غير
دقيقة، من خلال ردود رسمية موثقة.
النفط يمول 90% من الموازنة
يضع التقرير الاعتماد المفرط على
النفط في مقدمة التحديات، مشيراً إلى أن الإيرادات النفطية توفر أكثر من 90% من
الموازنة الاتحادية. ويرى أن الحكومات العراقية المتعاقبة أعلنت
رغبتها في تنويع مصادر الإيرادات، لكنها لم تحقق تقدماً كافياً في تقليل الاعتماد
على النفط.
ويشير التقرير إلى أن حكومة رئيس
الوزراء علي الزيدي وضعت التنويع الاقتصادي ضمن أولوياتها، بالتزامن مع سعيها إلى
توسيع العلاقات التجارية مع الشركات الأميركية والغربية. وتكشف هذه المعطيات عن مشكلة أعمق من تقلب أسعار النفط، إذ إن استمرار
تمويل النفقات الحكومية من مورد واحد يجعل الاستقرار المالي عرضة للصدمات
الخارجية، ويحد من قدرة الدولة على التخطيط الاقتصادي طويل الأمد.
85 % من الموجودات المصرفية بيد
ثلاثة مصارف
يخصص التقرير مساحة واسعة للقطاع
المصرفي، الذي يعدّه أحد أبرز معوقات الاستثمار وتمويل المشاريع. وبحسب الأرقام الواردة فيه، يضم العراق 71 مؤسسة مصرفية مرخصة، بينها
سبعة مصارف حكومية و23 مصرفاً تجارياً خاصاً و28 مصرفاً إسلامياً خاصاً و13 فرعاً
لمصارف أجنبية. ويشير إلى أن مصارف الرافدين والرشيد والعراقي
للتجارة تستحوذ مجتمعة على نحو 85% من موجودات القطاع المصرفي.
ولا تكمن المشكلة في حجم هذه
المصارف وحده، بل في محدودية دورها الائتماني، وتقادم بعض إجراءاتها، وضعف
مساهمتها في تمويل القطاع الخاص. ويتناول التقرير مشروع إعادة هيكلة مصرف
الرافدين، الذي طُرح مطلع عام 2026، عبر مقترح لإنشاء مصرف للخزانة السيادية
ومؤسسة مصرفية تجارية باسم "الرافدين واحد".
كما يشير إلى برنامج الإصلاح
المصرفي بالتعاون مع شركة «أوليفر وايمان»، الهادف إلى تحسين الحوكمة والامتثال
وإعادة ربط المصارف العراقية بالنظام المالي الدولي.
وفي المقابل، يسجل التقرير ارتفاع
الودائع المصرفية بنحو 40% خلال عامين، وتوسع علاقات بعض المصارف الخاصة مع
المصارف المراسلة الدولية، وهي تطورات إيجابية ينبغي عدم إغفالها عند تقييم القطاع.
(192) شركة حكومية تستنزف الموارد
ينتقد التقرير استمرار هيمنة
الشركات العامة على قطاعات واسعة من الاقتصاد، مشيراً إلى وجود نحو 192 شركة
حكومية توظف ما بين 500 ألف و600 ألف عامل.
ويرى أن عدداً كبيراً منها يعمل
بأقل من طاقته الإنتاجية، بينما تتحمل الموازنة أعباء الرواتب والدعم والخسائر
التشغيلية. ويلفت إلى أن التشريعات تمنح الشركات العامة
امتيازات في المناقصات والمشتريات الحكومية، مما يضعف فرص المنافسة أمام القطاع
الخاص.
وهنا تبرز ضرورة الانتقال من
سياسة تمويل الشركات المتعثرة إلى إعادة هيكلتها، وربط استمرارها بمؤشرات
الإنتاجية والربحية، مع حماية حقوق العاملين.
البيروقراطية والفساد
يؤكد التقرير أن تعدد الموافقات
الحكومية وتضارب التعليمات والتغييرات التنظيمية المتكررة تمثل عقبات رئيسية أمام
المستثمرين. ويستشهد بتقييم البنك الدولي لعام 2024، الذي
منح العراق 46.79 نقطة من أصل 100 في الكفاءة التشغيلية لبيئة الأعمال. كما يتناول شكاوى تتعلق بالضرائب التقديرية، وتأخر تسوية النزاعات
التجارية، وصعوبة تحويل الأرباح، والفساد في العقود والمنافذ الجمركية.
ورغم الإعفاءات الضريبية التي تصل
إلى عشر سنوات، يرى التقرير أن المشكلة لا تكمن في غياب الحوافز القانونية، وإنما
في صعوبة تطبيقها واستقرار الإجراءات المرتبطة بها.
القائمة الرمادية
يسجل التقرير إعادة إدراج العراق
على القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي في 19 حزيران 2026، بسبب استمرار أوجه
قصور في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
ويعني الإدراج خضوع العراق
لمتابعة معززة لتنفيذ خطة إصلاح، وليس فرض حظر شامل على التعاملات المصرفية
العراقية. وقد أكدت مجموعة العمل المالي التزام العراق بتنفيذ إجراءات لمعالجة
الثغرات الرقابية.
ويكتسب هذا الملف أهمية خاصة لأن
قدرة المصارف على بناء علاقات دولية مستقرة ترتبط بفاعلية الامتثال المالي
والشفافية.
فرص اقتصادية
لا يقدم التقرير صورة سلبية
بالكامل؛ إذ يشير إلى فرص كبيرة في الكهرباء والغاز والنقل والتكنولوجيا والزراعة.
ويذكر أن العراق استورد سلعاً
أميركية بقيمة 1.7 مليار دولار خلال عام 2025، فيما يتيح نقص إنتاج الكهرباء فرصاً
استثمارية لتطوير محطات التوليد وشبكات التوزيع وإمدادات الغاز.
لكن تحويل هذه الفرص إلى مشاريع
فعلية يتطلب بيئة قانونية ومصرفية مستقرة، وآليات واضحة لضمان حقوق المستثمرين
وتسوية النزاعات.
الرد بالأرقام والوثائق
لا ينبغي التعامل مع التقرير
الأميركي بوصفه حكماً نهائياً على الاقتصاد العراقي، كما لا يصح تجاهله لمجرد
صدوره عن جهة أجنبية. فالتقرير يتضمن أرقاماً وتقييمات واتهامات
تستوجب التدقيق، خصوصاً ما يتعلق بالقطاع المصرفي والفساد والشركات العامة
والإجراءات الاستثمارية.
ومن هنا، تقع مسؤولية مهمة على
البنك المركزي العراقي ووزارات المالية والتجارة والصناعة والمعادن والهيئة
الوطنية للاستثمار والجهات الرقابية الأخرى، كلٌّ ضمن اختصاصه، لمراجعة ما ورد في
التقرير. وإذا تضمنت المعلومات أخطاءً أو استندت إلى
بيانات قديمة أو استنتاجات غير دقيقة، فمن الضروري أن تبادر المؤسسات المعنية إلى
إصدار ردود رسمية مدعومة بالأرقام والوثائق، وأن تطلب من وزارة الخارجية الأميركية
تصحيح المعلومات أو تحديثها.
أما الملاحظات الصحيحة، فينبغي
تحويلها إلى أولويات إصلاح قابلة للقياس، بدلاً من الاكتفاء بنفيها أو الاعتراض
عليها. فالرد المؤسسي لا يحمي سمعة الاقتصاد العراقي
فحسب، بل يساعد المستثمرين الدوليين على الوصول إلى معلومات دقيقة ومتوازنة.
الإصلاح أهم من الدفاع عن الصورة
تكمن الرسالة الأساسية لتقرير
2026 في أن العراق يمتلك فرصاً اقتصادية كبيرة، لكنه لم ينجح بعد في بناء بيئة
مؤسسية تستثمر هذه الإمكانات بالكفاءة المطلوبة.
ولذلك فإن المطلوب ليس الدخول في
سجال مع التقييم الأميركي، وإنما التعامل معه بجدية مهنية، وذلك عن طريق تصحيح ما
هو غير دقيق، والاعتراف بما هو صحيح، ووضع برامج واضحة لمعالجة الاختلالات.
فسمعة الاقتصاد العراقي لا تُبنى
بالبيانات الإعلامية وحدها، بل بمؤسسات فعالة، ومصارف موثوقة، وتشريعات مستقرة،
واستثمارات تتحول إلى إنتاج وفرص عمل.


