حين يعود النازحون إلى بيوتهم،
تكون رحلة النجاة قد قطعت خطوتها الأولى. لكن العودة تفتح أسئلة أخرى: من يضمن
أمنهم؟ وكيف يديرون حياتهم؟ وما مستقبلهم إذا بقيت حمايتهم مرتبطة بقرارات دولية
تتغير بتغير المصالح؟ من هذه المسافة بين النجاة والاستقرار، يمكن الدخول إلى كتاب
الدكتور ديندار زيباري "الملاذ الآمن الكوردي في العراق: إشكالية غياب صفة
الدولة، 1991–2002".
صدر الكتاب باللغة الإنكليزية عام
2026، ويستند إلى أطروحة دكتوراه أُجيزت في جامعة وستمنستر بلندن في أيلول 2004.
ويتناول تجربة كوردستان العراق خلال المرحلة التي أعقبت حرب الخليج وأزمة النزوح
عام 1991. لذلك تنتمي أسئلته ومقترحاته إلى سياق تلك السنوات، قبل التحولات التي
شهدها العراق لاحقاً. وهذه نقطة أساسية لفهم العمل وقراءة تصوره للمستقبل.
تتمحور فكرة الكتاب حول مسؤولية
المجتمع الدولي تجاه شعب يملك هوية وتاريخاً وطموحاً سياسياً، لكنه لا يملك دولة
مستقلة معترفاً بها. فالملاذ الآمن وفر إطاراً للحماية، لكنه أبقى أسئلة السيادة
والتمثيل وتقرير المصير مفتوحة. ويتتبع زيباري هذه المفارقة، باحثاً في قدرة
التدخل الإنساني على توفير أمن مستدام، وفي الحدود التي تفرضها عليه الحسابات السياسية
والعسكرية والاقتصادية.
المقصود بغياب صفة الدولة هنا هو
وضع جماعة لها حضورها ومؤسساتها، لكنها تفتقر إلى المكانة القانونية والسياسية
التي تتمتع بها الدول في النظام الدولي. ومن ثم يصبح الاعتراف والتمثيل جزءاً من
البحث في الأمن نفسه.
في عشرة فصول، يتحرك المؤلف بين
التاريخ والقانون والسياسة. يبدأ بالتعريف بالكورد وتنوعهم الثقافي وجذور قضيتهم،
ثم يناقش نشأة الدولة العراقية وأثر النفط والحروب في العلاقة بين السلطة المركزية
والتطلعات الكوردية. ويعرض الحركات والقيادات السياسية، لينتقل إلى الاتفاقيات
الدولية وانتهاكات حقوق الإنسان والأسلحة الكيمياوية. وبهذا يمنح القارئ خلفية
لفهم الأزمة التي استدعت إنشاء الملاذ الآمن.
يعتمد العمل على مصادر تاريخية
وقانونية وبحث ميداني ومقابلات مع قيادات وشخصيات ومنظمات.
يشرح المؤلف صعوبات البحث، ومنها
تعدد اللغات والعمل في بيئة صراع، كما يطرح مسألة الانحياز وصلتها بدوره السياسي
في كوردستان. وتتيح هذه الإشارة للقارئ الانتباه إلى موقع الباحث وعلاقته بموضوعه،
أثناء متابعة حججه واستنتاجاته.
في بحثه عن معنى الحماية، يناقش
زيباري قرار مجلس الأمن 688، وأدوار الأمم المتحدة والقوى الغربية ودول الجوار.
ويقرأ المساعدات والعقوبات وبرنامج النفط مقابل الغذاء من زاوية أثرها في حياة
السكان وقدرتهم على الاعتماد على أنفسهم. فالمساعدة، في تصوره، تحتاج إلى إشراك
المجتمع المحلي وتنمية قدراته، كي تقود إلى بناء اقتصاد ومؤسسات قادرة على
الاستمرار.
وتتسع القراءة إلى تجربتي البوسنة
وكوسوفو، لفحص دوافع التدخل الدولي وتفاوت الاستجابة للأزمات.
يسأل المؤلف عن المسافة بين خطاب
حقوق الإنسان وممارسات الدول، وعن حضور المصالح في قرارات التدخل أو الامتناع عنه.
ويبرز هنا موقفه النقدي من السياسات الدولية، وهو موقف ينبغي قراءته بوصفه تفسيراً
يقدمه الباحث، ومناقشته في ضوء الأدلة التي يستند إليها.
أما البحث عن المستقبل، فيمر عبر
مناقشة تقرير المصير والفيدرالية والوصاية والتعاون الإقليمي.
لا يقدم الكتاب وصفة نهائية
مغلقة. ففي خلاصته يؤكد، بترجمة المعنى، أن "على الناس أن يكونوا قادرين على
حكم أنفسهم". ويجعل بناء القدرات المحلية ودعم المجتمع المدني والتنمية
ومراقبة حقوق الإنسان عناصر ضرورية لتحويل الحماية إلى استقرار.
كما يشدد على مسؤولية أبناء
كوردستان عن جعل السلام واقعاً في حياتهم.
تكمن قيمة الكتاب في جمعه بين
الكارثة الإنسانية والسؤال السياسي الذي أعقبها. فهو يساعد القارئ على فهم الملاذ
الآمن بوصفه تجربة أعادت طرح علاقة السيادة بحقوق السكان، وحدود مسؤولية القوى
الخارجية تجاههم. ومن خلال هذه التجربة، يترك سؤالاً يستحق التأمل: كيف تصبح
الحماية بداية لحياة يشارك الناس في تقريرها، ويملكون القدرة على صونها؟.



.jpg&w=3840&q=75)