في العراق، لم تعد المشكلة السياسية مقتصرة على السياسي الذي يتخذ القرار، بل امتدت إلى من يتولى تفسير القرار للناس.
ففي المشهد الإعلامي والسياسي العراقي، يظهر بين حين وآخر ما يُسمّى "المحلل السياسي" وفي المقابل هناك ما يسمى "المحلل خبزته"، وقبل الاستماع إلى تحليله، يصبح من المهم التمييز بين المحلل الحقيقي الذي يقرأ الأحداث، والمحلل الذي يقرأ الأحداث من داخل موقف حزبه.
المحلل السياسي يفترض أن يضع الحدث أمامه ثم يحاول فهمه، أما المتحدث فيضع موقف حزبه أولًا، ثم يبحث عن تفسير للأحداث يتوافق معه. وهنا تبدأ المشكلة.
عندما يصبح التحليل السياسي دفاعاً عن الانتماء
المشكلة ليست في أن يكون للمحلل السياسي موقف أو قناعة؛ فالحياد المطلق قد لا يكون ممكناً. المشكلة تبدأ عندما يتحول الانتماء إلى مرشح يمنع وصول الحقيقة. وهكذا لا يعود معيار الحكم هو الفعل ونتيجته، بل هوية الجهة التي قامت بالفعل.
المحلل الذي يعرف الإجابة قبل أن يسمع الحدث
يمكنك أحيانًا أن تعرف النتيجة التي سيصل إليها بعض المحللين قبل أن يبدأوا الكلام، ليس لأنهم يمتلكون قدرة خارقة على التنبؤ، وإنما لأن موقفهم السياسي سبق الحدث. تتغير الحكومات، وتتغير التحالفات، وتتغير الأسماء، بل وقد تتغير مواقف الأحزاب نفسها، لكن التفسير يبقى ثابتا. لأن وظيفة بعض هؤلاء لم تعد تحليل الواقع، وإنما حماية الرواية السياسية التي ينتمون إليها.
وهنا يتحول التحليل من أداة لفهم الواقع إلى أداة لإعادة إنتاجه كما تريده الجهة، فتتراجع المعلومة ويبدأ التبرير.المشكلة الأكبر أن المشاهد العادي قد لا يستطيع دائماً التمييز بين التحليل والموقف السياسي.
المحلل المؤدلج يستخدم لغة تبدو موضوعية، ويستشهد بالأرقام، ويتحدث عن "المصلحة الوطنية" و"المصلحة العامة" و"القرار السيادي"، ثم يصل في النهاية إلى النتيجة التي تخدم الجهة التي يمثلها. لكن التحليل الحقيقي يبدأ عندما تبحث ايضاً عن الوقائع التي قد تهدم روايتك. وهذه ليست مشكلة في التحليل السياسي فحسب؛ إنها مشكلة في منهج التفكير نفسه.
السياسة مليئة بالتوقعات والتحليلات والقراءات التي تتبين لاحقاً أنها لم تكن صحيحة. وهذا أمر طبيعي. لكن المشكلة تبدأ عندما لا يستطيع المحلل الاعتراف بالخطأ، فيعيد تفسير الأحداث بعد وقوعها بحيث يبدو وكأنه كان على حق منذ البداية. وهنا يتحول التحليل إلى لعبة لغوية لا يمكن تكذيبها.
من يحلل العراق.. الواقع أم الروايات؟
العراق ليس رواية سياسية واحدة.بل إنه مجتمع معقد، وتاريخ متشابك، ومصالح متعددة، وتيارات سياسية واجتماعية مختلفة. أما اختزال الإنسان أو الحزب أو التيار في صورة الخير المطلق أو الشر المطلق، فهو ليس تحليلًا؛ إنه خطاب تعبوي.
هذه الأصوات موجودة بكثرة. فالتحليل السياسي الحقيقي لا يُقاس بعدد المرات التي ينتصر فيها المحلل على خصوم حزبه في البرامج التلفزيونية، بل بقدرته على اختبار أفكاره هو نفسه.
من يحتكر الحقيقة يحتكر تفسير كل شيء
حين يعتقد تيار سياسي أنه يمتلك الحقيقة، فإنه يبدأ تدريجياً باحتكار تفسير الأحداث. وإذا كان المحلل لا يستطيع أن يغير رأيه عندما تتغير الوقائع، فإنه لا يحلل الواقع، بل يعيد إنتاج قناعته عن الواقع.
إن أخطر شيء يمكن أن يحدث في المجال العام هو أن يتحول المواطن من مراقب للسياسة إلى مستهلك للروايات السياسية. ربما حان الوقت لأن نعيد تعريف وظيفة "المحلل السياسي".
ليس المحلل من يستطيع أن يجد تبريراً لكل قرار يتخذه فريقه. المحلل الحقيقي هو الذي يستطيع أن يقول: "لا أعرف"، وأن يعترف بأن هناك معلومات لا تخدم موقفه، لكنها حقيقة يجب أن يضعها في الحسبان. المشكلة تبدأ عندما يعتقد كل طرف أن رأيه ليس رأياً، بل هو الحقيقة نفسها. عند ذلك، يموت التحليل ويعيش التبرير .



