إن قضايا الشعوب الحية لا تموت بالتقادم، ولا تُطوى ملفاتها الاستراتيجية لمجرد إغلاق صناديق اقتراع مؤقتة أو بفرض معادلات القوة الميدانية. ولعل استفتاء إقليم كوردستان العراق، الذي جرى في الخامس والعشرين من أيلول/سبتمبر عام 2017، يمثل إحدى المحطات الأكثر حساسية وعمقاً في التاريخ المعاصر للحركة التحررية الكوردية. لم يقتصر الأمر على كون هذا الحدث قد لامس جوهر مفهوم السيادة الوطنية ووحدة الدول الكلاسيكية، بل إنه كشف بوضوح عن فجوات النظام الإقليمي الدولي، وعن الهوة السحيقة القائمة بين معايير حقوق الإنسان والمصالح البراغماتية للقوى الكبرى. ومن هنا، فإن مقاربة هذا الملف بلغة دبلوماسية رصينة تتطلب تفكيكاً موضوعياً لأسئلة جوهرية تشكل الهيكل الفكري والتاريخي والقانوني لهذه القضية.
لا يمكن قراءة استفتاء عام 2017 بمعزل عن مسار تاريخي طويل ومرير من النضال من أجل الحقوق القومية؛ فجذور فكرة "تقرير المصير" تعود إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى وتفكك الإمبراطورية العثمانية، مروراً بوعود (معاهدة سيفر) عام 1920 التي أُجهضت في (معاهدة لوزان) عام 1923، وصولاً إلى تداعيات اتفاقية (سايكس بيكو) التي وزعت الشعب الكوردي بين كيانات متعددة. وعلى صعيد المسار العملي، ورغم تأجيل الإعلان في مناسبات عديدة، لا سيما خلال الانخراط الميداني المصيري لقوات (البيشمركة) مع الحكومة الاتحادية في حرب دحر (تنظيم داعش)، فقد استقر الأفق السياسي في نيسان/أبريل 2017 على حتمية إجرائه. وتوج هذا المسار باجتماع موسع في السابع من حزيران/يونيو 2017 برئاسة السيد مسعود بارزاني، الرئيس السابق لإقليم كوردستان العراق، ضم مختلف القوى والأحزاب السياسية والمكونات القومية والدينية في الإقليم، ليُعلن رسمياً عن موعد الاستفتاء الذي جرى في موعده وسط نسبة مشاركة واسعة بلغت (72.16%)، وأسفر عن تصويت أغلبية ساحقة بنسبة (92.73%) لصالح (نعم)، معبراً عن إرادة وطنية جامعة وليست نزوة عابرة.
وفي ميزان القانون الدولي، يُعد حق تقرير المصير مبدأً مكرساً في ميثاق الأمم المتحدة والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. غير أن الفقه القانوني يفرق بوضوح بين الشعوب الخاضعة للاستعمار المباشر والأقليات داخل الدول المستقلة، حيث يشترط للأخيرة التوافق الدستوري أو وجود انتهاكات جسيمة تهدد الوجود. هذا التعقيد جعل الاستفتاء يواجه تحفظات المنظومة الدولية المتمسكة بمبدأ سلامة الأراضي ووحدة الدول. وعلى صعيد الواقعية السياسية (Realpolitik)، تعددت مواقف القوى الكبرى ولكنها التقت عند اعتبارات الاستقرار الإقليمي؛ فالولايات المتحدة عارضت التوقيت لتأثيره المحتمل على حرب داعش مع تفهمها للحقوق التاريخية، بينما اتخذت روسيا موقفاً براغماتياً محافظاً على الشراكات الاقتصادية، ودعت كل من فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى الحوار وتأجيل الخطوة ضمن الأطر الدستورية العراقية، فيما تمسكت الصين بمبدأ سيادة الدول وعدم التدخل.
في المقابل، اتخذت الحكومة الاتحادية في بغداد مواقف تصعيدية معتبرة الاستفتاء غير دستوري، في وقت تعثر فيه تطبيق المادة (140) من الدستور وتجميد الآليات التوافقية. كما أسهم غياب استراتيجية موحدة والانقسامات الحزبية في إضعاف الموقف التفاوضي للإقليم، مما أدى لاحقاً إلى تغييرات ميدانية في محافظة (كركوك) والمناطق المتنازع عليها، وهو ما يبرز أهمية التقدير الدقيق لموازين القوى. غير أن الوثائق الديمقراطية ذات الطابع الشعبي لا تُلغى بالانتكاسات الميدانية، بل تتحول إلى رصيد معنوي وتاريخي حي.
وأثبتت القيادة السياسية، ممثلة بالرئيس (مسعود بارزاني)، مرونة عالية بعد الاستفتاء عبر التأكيد المستمر على أن الأبواب لم تُغلق أبداً أمام الحوار، مما شكل توجهاً عقلانياً لاحتواء الأزمات. ورغم ذلك، استمرت الإشكالات الدستورية نتيجة عدم تفعيل "مجلس الاتحاد" المنصوص عليه في المادة (65) من الدستور، والذي كان من المفترض أن يمثل ميزان توازن حقيقي بين السلطات. فضلاً عن ذلك، ألقت سياسات الضغط الاقتصادي وقطع الموازنة بظلال ثقيلة على الاستقرار المعيشي، مؤكدة الحاجة الملحة لتنظيم العلاقات المالية على أسس دستورية واضحة.
إن مراجعة التجربة تقودنا إلى قناعة راسخة بأن بناء الكيانات المستدامة يقتضي أولاً الاستثمار في "بناء الإنسان" وتكريس ثقافة المواطنة الواعية والجامعة. فالوعي المجتمعي المتقدم هو الضمانة الحقيقية لأي استحقاق وطني، وحين يُربى الجيل على أسس متينة من الإدراك المعرفي، يصبح قادراً على استيعاب الأهمية التاريخية لأي خطوة مصيرية، لكي يستطيع بدوره بناء وطن حر ومستقل مدعوم بسياسة التربية الوطنية. إن بناء الإنسان قبل بناء الأوطان يعتبر مفتاح الانتصار ومواكبة المطالب الجماهيرية، وإن الإعلام والسلام في المواطنة يبرز دوره الراسخ لمنع الجريمة وتوعية المواطن لكي يكون منتمياً وله ولاء للوطن كمواطن صالح.
وفي الخاتمة، وفي الوقت الذي تمر فيه المنطقة والعالم بظروف بالغة التعقيد، بات إقليم كوردستان يستقطب اهتمام مراكز صنع القرار العالمي، وفي مقدمتها الولايات المتحدة ومجلس الأمن والأمم المتحدة، بوصفه شريكاً استراتيجياً ثابتاً في الاستقرار الإقليمي. وإضافة إلى ذلك، يبرز دور أربيل ومقر بارزاني كمركز ثقل ومحطة تواصل سياسي تسعى الأطراف المختلفة لاستثمارها وقت الأزمات للوصول إلى تسويات، مما يثبت حقيقة جوهرية لا غبار عليها، وهي أن استقرار العراق والمنطقة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بدور ومكانة إقليم كوردستان.
المصادر والمراجع:
1. دستور جمهورية العراق لعام 2005، المواد (1، 2، 65، 117، و140)، المتعلقة بطبيعة الدولة، والنظام الفدرالي، ومسألة المناطق المتنازع عليها (مستحقة التسوية).
2. ميثاق الأمم المتحدة، المواد (1 و55)، المتعلقة بمبدأ المساواة بين الشعوب وحقها في تقرير المصير، والمادة (2/7) الخاصة بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
3. العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (1966)، المادة الأولى المشتركة التي تنص على حق جميع الشعوب في تقرير مصيرها وحرية تحديد وضعها السياسي.
4. قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 1514 (د-15) لعام 1960، الخاص بإعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة.
5. وثائق ومقررات استفتاء إقليم كوردستان العراق، الصادرة عن اجتماع القوى والأحزاب السياسية الكوردستانية برئاسة فخامة الرئيس مسعود بارزاني بتاريخ 7 حزيران/يونيو 2017، والبيانات الرسمية الصادرة عن المفوضية العليا للانتخابات والاستفتاء في الإقليم بشأن نتائج التصويت في 25 أيلول/سبتمبر 2017.
6. الدراسات الأكاديمية والبحوث القانونية المقارنة:
أ. د. محمد عزيز شكري، مفهوم تقرير المصير في الأمم المتحدة (دراسة مقارنة)، دار الفكر، دمشق، طبعة 1965.
ب. الباحث رنج عبد الله علي باراوي، الأبعاد القانونية والدستورية لحق تقرير المصير والإشكالات التشريعية في إقليم كوردستان العراق، ورقة تحليلية منشورة في مؤتمر خبراء القانونيين المهنيين/مجلس التعاون العلمي العربي وجامعة القيروان، تونس 2024.
7. الأرشيف الدبلوماسي والتقارير الدولية الصادرة عن مراكز الأبحاث الكبرى (مثل واشنطن العاصمة، بروكسل، ولندن) بشأن مواقف القوى الكبرى (الولايات المتحدة، روسيا، دول الاتحاد الأوروبي، والصين) تجاه التطورات السياسية في العراق وإقليم كوردستان خلال مرحلة ما بعد الاستفتاء (أكتوبر 2017 وما بعدها).
8. الأدبيات الفكرية والسياسية حول بناء الدولة والهوية:
أ. د. زكي نجيب محمود، تجديد الفكر العربي، دار الشروق، القاهرة، طبعة 2001 (في مفهوم بناء الإنسان وتأسيس الوعي الحضاري).
ب. الباحث رنج عبد الله علي باراوي، استراتيجيات التنمية الوطنية وتأصيل ثقافة المواطنة: السلام والإعلام في المواطنة لمنع الجريمة، من ضمن سلسلة كتيبات بحثية تحليلية لمعهد الإصلاح الجنائي إقليم كوردستان العراق منشورة، آب/أغسطس 2021.

.jpg&w=3840&q=75)
