إن التعديل الذي طرأ على قانون
الأحوال الشخصية رقم (188) لسنة 1959 لا يلبي، من وجهة نظرنا، طموحات المجتمع
العراقي وتطلعاته، ولا ينسجم بالشكل الكافي مع المتغيرات الاجتماعية والقانونية
التي شهدها العراق خلال العقود الماضية.
وبرغم حجم الرفض والاعتراضات التي
رافقت هذا التعديل، والتي صدرت عن بعض الأحزاب والشخصيات السياسية والاجتماعية
البارزة، فضلاً عن مواقف وتحفظات عبّرت عنها منظمات تابعة للأمم المتحدة ومنظمات
حقوق الإنسان، فإن التعديل مضى إلى حيز التطبيق، في وقت مازالت فيه بغداد وعدد من
المدن العراقية تشهد احتجاجات واعتراضات واسعة بشأنه.
إن الاختلاف في الرأي حول قانون
الأحوال الشخصية أمر طبيعي في مجتمع متنوع مثل المجتمع العراقي، لكن القضايا التي
تتعلق بالأسرة والزواج والطلاق والحضانة والنفقة وحقوق الأطفال تحتاج إلى قدر كبير
من الحكمة والتوازن، لأنها لا تتعلق بنصوص قانونية مجردة، وإنما تمس حياة ملايين
العراقيين بصورة مباشرة.
فالأسرة هي نواة المجتمع وأساس
استقراره، ولذلك ينبغي أن يكون قانون الأحوال الشخصية مظلة قانونية عادلة تحفظ
حقوق الجميع دون تمييز، وتضع المصلحة الفضلى للطفل، وإنصاف الأم، وحماية الأسرة،
في مقدمة الأولويات، مع ضمان حقوق الأب وعدم الانتقاص منها، ولاسيما بعد التغييرات
المتعلقة باعتماد العقود والأحكام وفق المذاهب الفقهية، وما قد يترتب على ذلك من
اختلاف في الأحكام والإجراءات بين الحالات، الأمر الذي يستوجب دراسة الآثار
القانونية والاجتماعية لهذه التغييرات بصورة دقيقة، والتأكد من عدم نشوء حالات من
التباين أو عدم الوضوح أمام المواطنين والمحاكم.
فالقانون يجب أن يكون واضحاً
ومستقراً وقابلاً للتطبيق بصورة عادلة، وأن يعرف المواطن مسبقاً حقوقه وواجباته،
بعيداً عن التعقيد أو تضارب التفسيرات، لأن استقرار التشريع من أهم ركائز العدالة.
ومن هذا المنطلق، نطالب بإعادة
النظر في تطبيق قرار الهيئة الموسعة المدنية رقم (93) لسنة 2026، ومراجعته من
الناحيتين القانونية والشرعية، وبحث مدى انسجامه مع مبدأ المصلحة الفضلى للمحضون،
وبما يضمن حماية حقوق الأطفال وعدم تحويلهم إلى طرف في النزاعات الأسرية.
كما نؤكد أهمية حماية حق الأم في
رعاية أطفالها وحضانتهم وفقاً للقوانين والأحكام الشرعية التي تنطبق على كل حالة،
مع ضرورة أن يكون معيار الحضانة الأول هو مصلحة الطفل واستقراره النفسي والاجتماعي.
كما نطالب بإعادة النظر في الأثر
الرجعي لتطبيق أحكام المدونة، لما يمكن أن يترتب عليه من آثار قانونية واجتماعية
تمس استقرار الأسر التي أُبرمت علاقاتها القانونية في ظل أحكام سابقة، الأمر الذي
يستوجب دراسة هذا الجانب بعناية، حفاظاً على الحقوق والاستقرار القانوني.
إن أي تشريع جديد ينبغي ألا يؤدي
إلى خلق حالة من القلق أو عدم الاستقرار داخل الأسرة العراقية، بل يجب أن يكون
وسيلة لحماية الأسرة ومعالجة المشكلات التي تواجهها، وأن يحقق التوازن بين الحقوق
والواجبات.
إن إنصاف الأم والطفل لا يعني بأي
حال من الأحوال الانتقاص من حقوق الأب أو أي طرف آخر، وإنما يعني الوصول إلى تشريع
متوازن وعادل يضع مصلحة الطفل في مقدمة الاعتبارات، ويحفظ للأب والأم حقوقهما،
ويضمن للأطفال حياة مستقرة وآمنة قدر الإمكان.
كما أن مناقشة هذا القانون ينبغي
أن تكون بعيدة عن لغة التخوين والاتهامات والانقسام المجتمعي، لأن الاختلاف في
وجهات النظر لا ينبغي أن يتحول إلى خلاف بين أبناء الوطن الواحد. فالعراق بحاجة
إلى تشريعات تجمع ولا تفرق، وتحمي الأسرة ولا تزيد من مشكلاتها.
لذلك، ندعو مجلس النواب والجهات
التشريعية والقضائية إلى الاستماع إلى أصوات المواطنين والفعاليات الاجتماعية
والقانونية والحقوقية، وإعادة النظر في المواد محل الاعتراض، وإجراء التعديلات
اللازمة من خلال حوار قانوني ومجتمعي واسع، يشارك فيه المختصون في القانون
والشريعة وعلم الاجتماع وحقوق الطفل والمرأة.
كما ندعو إلى دراسة الآثار
الفعلية التي قد تترتب على تطبيق التعديلات، والاستماع إلى الأسر التي قد تتأثر
بها، لأن التشريع الناجح لا يقاس فقط بصياغة مواده، وإنما بقدرته على تحقيق
العدالة والاستقرار في حياة الناس.
وفي ظل استمرار الاعتراضات
والاحتجاجات في بغداد وعدد من المدن العراقية، فإن الاستماع إلى هذه الأصوات
والتعامل معها بمسؤولية وحكمة يمثلان خطوة مهمة نحو الوصول إلى حلول تحفظ وحدة
المجتمع وتمنع اتساع دائرة الخلاف.
إن العراق اليوم بحاجة إلى قانون
أحوال شخصية يحقق التوازن بين الثوابت الدينية والقانونية وبين متطلبات العصر،
ويحترم تنوع المجتمع العراقي، ويحمي حقوق المرأة والرجل والطفل، ويضمن أن تكون
مصلحة الأسرة فوق المصالح السياسية والفئوية.
فالتشريع الذي يمس الأسرة يجب أن
يكون جامعاً للعراقيين لا سبباً لانقسامهم، والعدالة الحقيقية لا تعني انتصار طرف
على طرف، وإنما تعني إنصاف الجميع.
ومن هنا، فإن مراجعة التعديل
وإعادة النظر في المواد التي أثارت اعتراضات واسعة ليست تراجعاً عن التشريع، بل
يمكن أن تكون خطوة مسؤولة نحو تطويره وتصحيح ما قد تظهره الممارسة العملية من
ثغرات أو آثار غير مقصودة.
وفي النهاية، تبقى مصلحة الأسرة
العراقية واستقرارها، وحماية الأطفال، وصون حقوق الأم والأب، هي الغاية التي ينبغي
أن تجتمع حولها جميع الأطراف، بعيداً عن التجاذبات السياسية والطائفية، وأن تكون
مصلحة العراق والعراقيين هي الأساس في أي تشريع أو تعديل قادم. فالأسرة أولاً، واستقرارها مسؤولية الجميع.



