لم تتوقف موجة تداعيات الحرب الأميركية
والإسرائيلية مع إيران على العراق وإقليم كوردستان عند مستوى صادرات النفط وانهيار
الخزينة العامة فحسب، بل أثرت بشكل مباشر على معيشة وجيوب كل فرد من مواطني هذه
الدولة الفيدرالية؛ وذلك بسبب انقطاع سلاسل التوريد، وقيام الحكومة بطباعة وطرح
سيولة نقدية جديدة لتغطية النفقات، مما أدى إلى تضاعف أسعار جزء كبير من السلع
والمواد الغذائية. وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن معدل التضخم العام منذ بداية
العام الحالي وحتى نهاية شهر أيار قد تجاوز 3.4%، بينما تخطى في المواد الغذائية
حاجز 5.2%.
إذا قصدت الأسواق والمتاجر هذه
الأيام لأي غرض، ستجد الأسعار مرتفعة لدرجة أن المبلغ الذي كان يكفي لسد احتياجات
أسبوع قبل عدة أشهر، لا يكفي الآن إلا لبضعة أيام؛ بل ويتعين عليك الاختيار
والمفاضلة بين كمية ونوعية السلع التي تشتريها.
وفقاً لبيانات هيئة الإحصاء ونظم
المعلومات الجغرافية العراقية، التي تنشر أسبوعياً مؤشرات 38 مادة غذائية في جميع
المحافظات العراقية بما فيها إقليم كوردستان، فإن اتجاه الأسعار نحو الارتفاع؛ لاسيما
في النصف الأول من هذا العام مقارنة بالنصف الأول من عام 2025.

على سبيل المثال، وبحسب بيانات
هيئة الإحصاء في الاتجاه طويل الأمد (2018–2026)، شهدت أسعار اللحوم الحمراء (لحم
البقر الخالي من العظم ولحم الغنم) ارتفاعاً في عموم العراق. حيث ارتفع سعر لحم
البقر بنسبة 108%، وزاد سعر لحم الغنم بنسبة 49%، أي ارتفع من 13,600 دينار إلى
20,330 ديناراً.
ومن خلال عرض بيانات التغير في
معدلات التضخم لمجموعات المنتجات المختلفة واتجاه أسعار المواد الأساسية اليومية،
نسلط الضوء على أسباب الغلاء ومعدلات التضخم في العراق وإقليم كوردستان.
أعلى وأدنى الأسعار الشهرية بين
المحافظات في عام 2026
وفقاً لمؤشر (2018–2022)، تظهر
أسعار المواد الأساسية الأسبوعية لهيئة الإحصاء العراقية أن متوسط أسعار جميع
السلع في تلك الفترة كان الأغلى في محافظة أربيل والأرخص في نينوى. لكن في النصف
الأول من عام 2026، حدث تغيير كبير في ترتيب المحافظات من حيث الغلاء؛ حيث أصبحت
نينوى المحافظة الأغلى والقادسية الأرخص بالنسبة للمواد الغذائية الأساسية.
في الواقع، عوامل مثل تكلفة
الخدمات وأجور العمل، عدد السكان والحدود الجغرافية، الحركة التجارية والسياحية،
قيمة الأرض والعقارات، توفر الخدمات واستتباب الأمن، واستيراد السلع وتصدير
المنتجات، لها تأثير كبير على الأسعار، وتخلق ذلك التباين في سعر السلعة الواحدة
بين محافظة وأخرى.
بحسب بيانات هيئة الإحصاء للنصف
الأول من عام 2026، سجلت محافظة كركوك أغلى سعر لكيلو الطماطم في نيسان 2026 بواقع
2,125 ديناراً، بينما سجلت البصرة أرخص سعر في شباط بـ 500 دينار للكيلو. وقد
يختلف هذا السعر من يوم لآخر أو منطقة لأخرى، لكن ما تم اعتماده هنا هو متوسط
السعر الأسبوعي والشهري.

الحقيقة الأخرى هي أن الفارق
الكبير في سعر السلعة بين محافظة وأخرى يعود لأحد الأسباب المذكورة أعلاه. فمثلاً،
تظهر البيانات وجود فارق يصل لنحو 5,500 دينار لكيلو لحم الغنم بين محافظات
العراق؛ حيث بلغ أعلى سعر 23,375 ديناراً في البصرة، مقابل 17,000 دينار في ميسان
خلال كانون الثاني 2026. وإذا نظرنا للسكان، نجد أن نفوس البصرة 3.66 مليون نسمة
بينما ميسان 1.2 مليون (أي ثلث البصرة)، فالكثافة السكانية أحد أسباب هذا التفاوت.
كما أن نسبة البطالة في البصرة 20.4% وفي ميسان 25.3%، والقوة العاملة في البصرة
40.3% وفي ميسان 31.4%، مما يجعل الأسعار في البصرة أعلى منها في ميسان، وهذا
الفارق ينعكس أيضاً على السلع والخدمات الأخرى.
الأرقام القياسية لأسعار المستهلك (CPI) في العراق
يشير الاتجاه العام للتضخم في
العراق حسب البنك المركزي (CBI) إلى الارتفاع. فقد وصل الرقم القياسي العام في نيسان
2026 إلى أعلى مستوياته عند 112.5 (+1.7% شهرياً)، بسبب ارتفاع أسعار الغذاء
والسكن. وفي أيار 2026، تراجع الرقم القياسي بنسبة -1.2% ليصل إلى 111.2، لكن معدل
التضخم العام من كانون الثاني حتى نهاية أيار بلغ 3.4%.
وإذا نظرنا إلى نسب التغير في
التضخم، تظهر بوضوح آثار الحرب. العراق بلد مستورد يستورد سنوياً سلعاً وخدمات
بقيمة 60 إلى 80 مليار دولار، ولم يكن ميناء البصرة عبر مضيق هرمز المنفذ الوحيد
لتصدير النفط، بل كان منفذاً كبيراً لاستيراد السلع، خاصة بعد إدخال نظام
"أسيكودا" وتغيير السياسات الجمركية وزيادة الضرائب.
بسبب الحرب والوضع في مضيق هرمز،
انقطعت سلاسل التوريد؛ فالسلع التي كانت تصل لميناء البصرة تذهب الآن إلى تركيا
ومن ثم براً إلى العراق، مما يحمّل التجار أعباءً إضافية وتكاليف أولية أعلى. لذا
شهد قطاع الأغذية والمشروبات غير الكحولية ارتفاعاً ملحوظاً في آذار (+3.5%)
ونيسان (+3.3%) ليصل لمستوى 116.0. ومع هدوء الأوضاع والسماح بحركة محدودة للسفن،
انخفضت النسبة في أيار بمقدار -3.1% لتصل إلى 112.4.
كما يستورد العراق والإقليم
سنوياً تبغاً ومنتجات مختلفة بأكثر من مليار دولار، مما جعل السلع المستوردة باهظة
الثمن. وبحسب مؤشر البنك المركزي، نال التبغ أعلى نسبة ارتفاع شهري بين جميع
المنتجات، حيث ارتفع في آذار 2026 بنسبة +5.8% (ليصل الرقم القياسي إلى 114.3).

وفي حين غلت أسعار التبغ والمواد
الغذائية بسبب انقطاع التوريد، فإن المصانع المحلية في العراق والإقليم تعتمد في
معظمها على المواد الخام المستوردة، وعندما ترتفع تكلفة المادة الخام، يضطرون لبيع
منتجاتهم بأسعار مرتفعة.
على الجانب الآخر، نلاحظ
استقراراً أو تغيراً صفرياً في القطاعات غير المرتبطة بالاستيراد والمواد الخام،
مثل التعليم والاتصالات. فوفقاً للبنك المركزي، ظل قطاع التعليم مستقراً تماماً
عند 106.3 من كانون الثاني حتى أيار 2026 (0.0% تغيير شهري)، كما سجلت الاتصالات
أقل تغيير وبقيت بين 98.4 و 98.7.
اتجاه الأسعار في إقليم كوردستان
على مستوى محافظات الإقليم، اتجهت
معظم أسعار المواد الغذائية (باستثناء الخيار وسمك الكارب) نحو الارتفاع، خاصة تلك
التي تحتاج للطاقة والمواد الخام المستوردة. فمثلاً، ارتفع متوسط سعر كيلو الطماطم
في الربع الثاني من 2026 بنسبة 11.35% مقارنة بالربع الأول (من 792 إلى 883
ديناراً).
وبالنسبة للدجاج الحي، ارتفع سعر
الكيلو بنسبة 10% (من 2,625 إلى 2,896 ديناراً)، ويعود ذلك لارتفاع أسعار العلف
والوقود المستخدم في المداجن. أما ارتفاع أسعار لحوم البقر والغنم فيعود لقلة
استيراد المواشي من دول الجوار.
في المقابل، انخفض سعر كيلو
الخيار من 1,070 إلى 1,047 ديناراً، وانخفض سمك الكارب من 6,236 إلى 6,125
ديناراً. ويعود الانخفاض لزيادة العرض؛ حيث تجاوز عدد البيوت البلاستيكية 30
ألفاً، وزاد عدد أحواض الأسماك (المجازة وغير المجازة) بشكل كبير، حيث زادت
المشاريع المجازة من 340 إلى 420 مشروعاً خلال عقد واحد 2014-2024.
الخلاصة
تمثل عوامل انقطاع سلاسل التوريد،
تكاليف الإنتاج، استمرار الطلب ونقص المعروض، وزيادة تكاليف النقل، جزءاً من قصة
ارتفاع الأسعار. أما الجزء الأكبر والرئيسي فهو طباعة وطرح العملة دون غطاء من نمو
الناتج المحلي الإجمالي (GDP)، حيث بلغت السيولة المطروحة في الأشهر الستة
الأولى من هذا العام أكثر من 13 تريليون دينار.
هذا التوجه في طرح العملة دون
إنتاج، فضلاً عن تسببه في رفع الأسعار والتضخم، فإنه يضعف نمو الناتج المحلي. لذا
توقع البنك الدولي في تقرير حزيران 2026 نمواً اقتصادياً سلبياً (تحت الصفر)
للعراق لهذا العام والعام المقبل.
عندما يرتفع التضخم، ترفع البنوك
المركزية أسعار الفائدة لتقليل السيولة وإعادة التوازن. وفي أزمة كورونا مثلاً،
استغرق الأمر أربع سنوات للسيطرة على التضخم الناتج عن ضخ السيولة.
إن الغلاء وتضاعف الأسعار قد يفيد
التجار ورجال الأعمال على المدى القصير، لكنه يقلص قدرة الأفراد على الإنفاق،
ويضعف النمو الاقتصادي والحركة التجارية.
استمرار هذا الاتجاه قد يدفع
التضخم نحو خانة العشرات. وفي ظل الوضع الحالي للعراق والإقليم، حيث تعتمد دخول
معظم السكان على الرواتب الثابتة، فإن هذا سيؤدي مستقبلاً لزيادة معدلات البطالة
والفقر، بالإضافة إلى التداعيات السياسية والاجتماعية الكبيرة.
أخيراً، هناك مؤشر إيجابي في
بيانات منتصف العام لـ 28 مادة غذائية؛ وهو انخفاض أسعار بعض المواد المستوردة مثل
العدس التركي بنسبة -25%، والسكر السعودي بنسبة -15.6%، والرز البسمتي الهندي
بنسبة -5.5%. وفي المقابل، ارتفع سعر رز "العنبر" المحلي بنسبة 7.3%،
وهو ما يشير إلى زيادة الاعتماد على المنتج الوطني، وهو اتجاه صحيح.



