لا تُقرأ الزيارات دائماً في
السياسة من عناوينها المباشرة. فالمشاركة في مراسم تشييع زعيم بحجم علي خامنئي
ليست مجرد واجب بروتوكولي أو حضور في مناسبة رسمية عابرة، بل قد تتحول، في لحظات
التحول الكبرى، إلى منصة لتبادل الرسائل وإعادة اختبار العلاقات ومراجعة مواقع
القوى. ومن هنا تكتسب زيارة رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني إلى طهران،
للمشاركة في مراسم تشييع المرشد الإيراني الراحل، أهمية تتجاوز حدود المجاملة الدبلوماسية،
لأنها تأتي في توقيت تتحرك فيه المنطقة على إيقاع أسئلة ثقيلة تتعلق بمستقبل
إيران، وموقع العراق، ودور إقليم كوردستان في معادلات ما بعد الحرب.
لم يكن حضور نيجيرفان بارزاني إلى
طهران حدثاً معزولاً عن سياق أوسع. فالعاصمة الإيرانية استقبلت وفوداً رسمية من
دول عديدة، في مشهد أرادت طهران أن تمنحه بعداً سياسياً واضحاً: إيران، رغم الضربة
التي تعرضت لها ورغم غياب شخصية كانت تمثل مركز الثقل في نظامها السياسي، ما زالت
حاضرة وقادرة على جمع الحلفاء والشركاء والخصوم الحذرين حول لحظة رمزية كبرى. وفي
مثل هذه اللحظات، لا تكون لغة البروتوكول وحدها كافية لفهم ما يجري؛ فترتيب
الحضور، ومستوى التمثيل، واللقاءات الجانبية، كلها تتحول إلى رسائل سياسية لا تقل
أهمية عن الكلمات المعلنة.
بالنسبة إلى إقليم كوردستان، تبدو
الزيارة جزءاً من سياسة أكثر ثباتاً انتهجها نيجيرفان بارزاني منذ سنوات، تقوم على
إبقاء خطوط الاتصال مفتوحة مع جميع الأطراف المؤثرة في الإقليم، من واشنطن إلى
طهران، ومن أنقرة إلى بغداد، ومن العواصم العربية إلى أوروبا. هذه السياسة لا تقوم
على الحياد السلبي، ولا على الاصطفاف الكامل مع طرف ضد آخر، بل على إدراك واقعي
لحقيقة موقع كوردستان الجغرافي والسياسي. فالإقليم لا يعيش في فراغ، ولا يستطيع أن
يدير مصالحه بمنطق القطيعة أو المغامرة، خصوصاً حين يكون محاطاً بدول كبرى ومصالح
متشابكة وحدود مفتوحة على الأمن والاقتصاد والطاقة.
ومن هذه الزاوية، فإن الذهاب إلى
طهران لا يعني انحيازاً إلى إيران بقدر ما يعني تأكيداً على أن أربيل لا تستطيع
تجاهل جار كبير ومؤثر في أمنها واستقرارها واقتصادها. فالعلاقة بين إقليم كوردستان
وإيران ليست علاقة ظرفية، بل علاقة صنعتها الجغرافيا قبل السياسة. هناك حدود
طويلة، وتجارة، ومعابر، وملفات أمنية، وتداخل اجتماعي وثقافي، فضلاً عن تأثير
إيراني لا يمكن إنكاره في الساحة العراقية عموماً. لذلك فإن الحفاظ على قناة
مباشرة مع القيادة الإيرانية، في لحظة انتقال حساسة داخل طهران، يمثل مصلحة كوردستانية
قبل أن يكون مجاملة دبلوماسية.
داخلياً، تحمل الزيارة رسالة
واضحة إلى القوى السياسية في الإقليم. ففي الوقت الذي تنشغل فيه الأحزاب الكوردستانية
بمفاوضات تشكيل الحكومة وإعادة ترتيب موازينها الداخلية، يذهب رئيس الإقليم إلى
طهران بوصفه ممثلاً لموقع كوردستان الخارجي لا لطرف حزبي بعينه. وهذه نقطة مهمة،
لأن السياسة الخارجية للإقليم ينبغي أن تبقى أعلى من الحسابات الحزبية اليومية.
فالإقليم يحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى خطاب موحد في علاقاته الخارجية، لا
سيما أن أي اهتزاز في العلاقة مع إيران أو بغداد أو أنقرة ينعكس بسرعة على الأمن
والاقتصاد ورواتب الموظفين وحركة التجارة والاستثمار.
أما عراقياً، فإن الزيارة تذكّر
بحقيقة كثيراً ما يجري تجاوزها في بغداد: إقليم كوردستان ليس هامشاً في السياسة
العراقية، بل أحد مداخلها الأساسية إلى توازنات المنطقة. فإيران لا تنظر إلى
العراق من نافذة بغداد وحدها، بل تتعامل مع شبكة واسعة من القوى والمؤسسات
والمواقع، وإقليم كوردستان واحد من هذه المواقع. حضور نيجيرفان بارزاني في طهران،
إلى جانب مسؤولين عراقيين آخرين، يعكس أن أربيل ما زالت رقماً حاضراً في حسابات
الجوار، وأن دورها لا يقتصر على إدارة شؤونها الداخلية، بل يمتد إلى المشاركة في
صياغة جزء من صورة العراق الخارجية.
وهنا تكمن حساسية المشهد.
فالعراق، في مرحلة ما بعد خامنئي، سيجد نفسه أمام إيران مختلفة، حتى وإن بقيت
مؤسساتها الأساسية قائمة. وقد تحاول طهران أن تثبت استمرارها عبر تكثيف حضورها في
العراق، بينما ستسعى بغداد إلى تجنب الانزلاق في صراعات المحاور، في وقت تراقب فيه
واشنطن وأنقرة والعواصم الخليجية اتجاهات السياسة الإيرانية الجديدة. وسط هذه
اللوحة المعقدة، يستطيع إقليم كوردستان أن يلعب دوراً مهماً إذا أحسن إدارة توازنه،
لا بوصفه وسيطاً معلناً بالضرورة، بل بوصفه مساحة سياسية قادرة على التواصل مع
أطراف لا تجلس دائماً على الطاولة نفسها.
إقليمياً، تأتي الزيارة في لحظة
لا تزال آثار الحرب الأخيرة تخيم على المنطقة. فغياب خامنئي لا يعني نهاية النفوذ
الإيراني، لكنه يفتح الباب أمام مرحلة إعادة ترتيب داخلية في طهران، قد تنعكس على
العراق وسوريا ولبنان واليمن والخليج. وفي مثل هذه المراحل، تصبح الرسائل الصغيرة
ذات دلالات كبيرة. حضور رئيس إقليم كوردستان في طهران يقول إن أربيل لا تريد أن
تكون خارج حسابات المرحلة المقبلة، ولا تريد في الوقت نفسه أن تدفع ثمن صراع لا
تملك قرار إشعاله أو إطفائه. إنها محاولة لتموضع هادئ في منطقة لا ترحم من يغيب عن
لحظات التحول.
وعلى المستوى الدولي، تبدو أهمية
الزيارة في أنها تكشف جانباً من القيمة الدبلوماسية التي راكمها الإقليم خلال
السنوات الماضية. فأربيل، رغم تعقيدات وضعها الداخلي وخلافاتها مع بغداد، مازالت
تحتفظ بعلاقات واسعة مع الولايات المتحدة وأوروبا وتركيا وإيران والدول العربية.
وهذه ليست ميزة شكلية، بل رصيد سياسي يمكن أن يتحول إلى قوة ناعمة إذا أُدير
بذكاء. فالدول والكيانات السياسية لا تُقاس فقط بما تمتلكه من موارد أو قوات، بل
بما تملكه من قدرة على فتح الأبواب حين تُغلق، وعلى التحدث مع أكثر من طرف من دون
أن تفقد ثقة الجميع.
غير أن هذه السياسة تحتاج إلى حذر
شديد. فالتوازن ليس موقفاً سهلاً، بل فن إدارة المسافات. الاقتراب من طهران يجب
ألا يُقرأ بوصفه ابتعاداً عن واشنطن، والحفاظ على العلاقة مع أنقرة لا ينبغي أن
يكون على حساب بغداد، كما أن تطوير علاقة الإقليم بالعواصم العربية لا يجب أن
يتحول إلى مصدر قلق لدى الجوار. وهذا هو الامتحان الحقيقي أمام دبلوماسية كوردستان:
كيف تحافظ على شبكة علاقات واسعة من دون أن تتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات، وكيف
تستثمر موقعها من دون أن تصبح رهينة لمعادلات الآخرين.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس
لماذا ذهب نيجيرفان بارزاني إلى طهران؟ بل ماذا يمكن أن تفعل أربيل بهذه الزيارة
بعد انتهاء مراسم التشييع؟ فالدبلوماسية لا تُقاس بعدد الصور واللقاءات، وإنما
بقدرتها على تحويل اللحظات الرمزية إلى ضمانات سياسية ومكاسب استراتيجية. وإذا
كانت المنطقة تدخل مرحلة جديدة بعد غياب خامنئي، فإن إقليم كوردستان سيكون مطالباً
بأن يقرأ هذه المرحلة بعقل بارد، وأن يحافظ على موقعه بوصفه طرفاً قادراً على
التوازن لا تابعاً لمحور، وشريكاً في الاستقرار لا جزءاً من التوتر.
وفي الختام، فقد تكون زيارة طهران
مناسبة عزاء في ظاهرها، لكنها في العمق اختبار جديد لدور إقليم كوردستان في شرق
أوسط يعاد تشكيله تحت ضغط الحرب والفراغات والانتقالات الكبرى. وكلما امتلك
الإقليم قدرة أكبر على إدارة علاقاته الخارجية بمنطق الدولة لا بمنطق ردود الفعل،
ازدادت فرصته في حماية مصالحه، وتعزيز موقعه داخل العراق، والحفاظ على حضوره في
معادلات المنطقة. فالجغرافية منحت كوردستان موقعاً حساساً، لكن الدبلوماسية وحدها
هي التي تستطيع أن تحول هذا الموقع من عبء دائم إلى فرصة سياسية مستمرة.



