حدود المصطلح
مصطلح المجتمع المفترس منسي وقليل التداول، فقد اختفى خلف القطب المعاكس له تماماً، أي المجتمع المدني أو الأهلي. لقد تحددت سمات المجتمع المدني عبر سيرورة ارتقاء المجتمعات النامية نحو التحديث، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية. أما المجتمعات المفترسة فتعد، كتوصيف أولي تلك التي تخلت عن قيمها التقليدية العائدة للمجتمع الأهلي، ولم تتمكن من الانتقال بقسم من تلك القيم والموروثات إلى المجتمعات المدنية، التي تستظل غالباً بسلطات ديمقراطية دستورية منتخبة.
دفع التركيز على المجتمع المدني
والرهان عليه كمخرج لأزمات العصر بعد انهيار المعسكر الشرقي (الاشتراكي) أواخر
القرن الماضي بنقيضه المجتمع المفترس إلى الظل، ولم ينال الاهتمام النظري. حتى تم
تسليط الضوء عليه إبان الحروب الأهلية في إفريقيا وآسيا، تحت ضغط وصدمة الممارسات
المتوحشة للجماعات المتصارعة. أول من استخدم مصطلح (المجتمع المفترس) هو عالم
الاجتماع الايطالي (Robert
Putnam) في كتابه (Making democracy) الصادر سنة 1993، وذلك في سياق تفسير طبيعة الصراعات
داخل المجتمعات الأفروآسيوية، وكيفية تحفيزها لبناء سلطات مدنية ديمقراطية. هذا
وقد أعاد لاري دايموند من جديد توظيف المصطلح بشكل مبتكر عند تسليط الضوء على
استعصاء توطين الديمقراطية خارج أوروبا وأميركا، ضمن كتابه (روح الديمقراطية) The Spirit Of Democracy .
بلورت انتفاضات الربيع العربي في
السنوات الأخيرة هذه الظاهرة السياسية إقليمياً، خاصة بعد فشلها في تحقيق التغيير
الديمقراطي المنشود. اذ خابت الآمال، وسقطت المراهنة على بناء سلطات ديمقراطية
منتخبة. فتم التشكيك من جديد في عطالة البنى الاجتماعية وعدم قابليتها للتغيير.
فعلى سبيل المثال تم الرهان على سوريا ومدنية مجتمعها في أعلى مستوياته بعد ربيع
دمشق عام 2001. لكن تباطئ الحراك الديمقراطي وعدم تقدم النضالات السياسية عبرها،
فضلاً عن طبيعة السلطة المستبدة الحاكمة عهدئذ، ساهمت في تفسير جانب من العلاقة
بين البنى الاجتماعية المتخشبة والسلطات الاستبدادية التي تنبثق عن الخصوصية
المجتمعية.
ما حدث في السنوات الأخيرة على
تضاريس الواقع وخارج صفحات الكتب، هو ارتفاع درجة الافتراس المتبادل بين السلطات
والمجتمعات في العديد من الدول، وخاصة في سوريا. فلم يكن متوقعا أن تنحرف الأحداث
في هذا الاتجاه المتطرف. لقد ساهمت العديد من السلطات بشكل حاد في إعادة انتاج
العنف المجتمعي، الذي صاغت عبر زمن طويل ملامح الجماعات والمجتمعات المفترسة.
فأبرز ما يتسم به المجتمع المفترس هو عجز الجماهير الشعبية في أسفل الترتيب الهرمي
الاجتماعي التعاون فيما بينها، حيث لا يوجد مجتمع منظم ومترابط بمعنى الكلمة، ولا
حتى أي التزام بنظرة مشتركة لأجل الصالح العام، بل تتشكل تحالفات وروابط مؤقتة
بحثا عن السلطة والامتيازات السريعة، تكون في الغالب مرتكزة على بنى ما قبل
دولتيه. مع ملاحظة أن سلوك الأفراد يجنح الى العنف والانتهازية، فيولد حالة
الارتياب المتبادل. كما يتفاقم في ظل المجتمع المفترس النعرات المذهبية والعرقية،
لتعمق بدورها التشظي الاجتماعي. فضلا عن أن أشكالاً أخرى من الانقسامات في الهوية
تمنع الانسان المقهور من التعاون ضمن المجال العام.
تسعى النخبة الحاكمة غالباً عبر
المجتمع المفترس إلى إذكاء التوتر الديني أو القومي لصد الإحباط الشعبي واستيائه
بعيدا عن سلوكهم الاستغلالي. ولكن، التوترات العرقية وحالات الاستياء القومي لها
جذر موضوعي مستقل، لذلك غالباً ما تحقق النخبة المتسلطة نجاحاً سياسياً عند
إذكائها، لتصنع من التباينات والخلافات عمليات تناحر مزمنة. هذا ما تم ملاحظة
تفاقمه في عدد كبير من الدول وإن بدت فاقعة في دول مثل سوريا والعراق، ليبيا،
إضافة إلى أفغانستان، وصولاً إلى مينمار والصومال. حيث يمتزج في بيئاتها العنف
العرقي والديني وإراقة الدم على أساس الهويات الفرعية ضمن مسارات الحرب الأهلية
الأوسع. ثم يتفاعل كل هذا التوتر مع فساد النخب الحاكمة والحركات التي تهدف إلى
التغيير والإصلاح شكلاً، والقابلة لتغيير أجنداتها ووجهة حروبها في كل الاتجاهات
عملياً. فالكثير من الأوساط الاجتماعية والمناطق قد غيرت تبعيتها السياسية ووجهة
حروبها بشكل حاد كل عدة سنوات، كما في سوريا.
خصوصية دولة سوريا
للكشف عن ظاهرة الافتراس السياسي
ومستوياتها ومفاعيلها، ينبغي التركيز على دور السلطات في دفع المجتمع نحو سلوكيات
الافتراس عند منعطف منعه من المساهمة في بناء الدولة المدنية. لقد تأسست دولة
سوريا الحديثة قبل أكثر من مئة عام على أساس صيغة الدولة المركزية القومية
الأوربية، أي الدولة القومية الصلبة من المنظور الفرنسي تحديداً. حيث اتخذت من
القومية العربية والمذهب السني روابط لاحمة وعقيدة تأسيسية للدولة، ونسفت ما تشكل
مبكراً من صيغ الحكم المحلي. مما أفسح الطريق أما سياسات الحكم المركزي لتتجه نحو
الانقضاض على المجتمعات المحلية لإلغاء تمايزها، وإمحاء تضاريس خصوصياتها القومية
والدينية. حتى أسست لآليات تآكل وتنافس داخلي حاد بين المكونات المؤسسة للدولة.
هذه المنهجية السلطوية والسياسية الاندماجية الموجهة، تحولت إلى آليات إلغاء
وإمحاء، من ثم فجرت صراع مذهبي عنيف وصريح منذ مطلع سبعينات القرن العشرين. لدرجة
أن وصلت سلطة دمشق الى نهاية القرن العشرين وهي في أقصى درجات قساوتها، وكانت قد
هشمت كل ممكنات القبول بالتعدد والتنوع وتداول السلطة سلمياً.
فالخراب الذي حل بالمجتمعات
الأهلية التقليدية وشبه المدنية السورية كانت نتيجة لفعل التخريب والنخر العميق
الذي سببته السلطات المفترسة الحاكمة تاريخيا في دمشق، والتي استخدمت كل وسائل
القهر لصالح أجنداتها الضيقة، حتى تكونت نخبة طامحة خرقت القوانين بحثا عن السلطة
والثروة. نخبة تتلذذ بسحق أي اختلاف أو معارضة، أو حتى تمايز جهوي.
جدير ذكره أنه من السمات المشتركة
للسلطات المفترسة هو أن الوزراء يهتمون بالأموال التي يمكن لهم جمعها. ويطلب
الضباط العسكريون السلاح استنادا إلى ضرورة استخدامها ضد ردة الفعل الشعبية. وعوضا
عن دفاع الجنود والشرطة عن الشعب، فهم يبتزونه أيما ابتزاز. لذلك تفشل السلطة
المفترسة حتى في بناء جيش وطني، وهي أداة قمعها الرئيسية. تتفاقم البنى
المؤسساتية: مدراء الجمارك لا يفتشون السلع، أصحاب المصانع لا ينتجون، البنوك لا
تستثمر، المدينون لا يفون بديونهم، الصفقات تتم لتحقيق أرباح مباشرة وآنية للنخب،
كما أن آفاق الزمن محدودة للغاية، بسبب انعدام الثقة بالدولة ومستقبلها.
سلطات المعارضة
شكلت أحداث ما بعد انتفاضة عام
2011 سلطات محلية بديلة، أو موازية لسلطة دمشق، قامت باستنساخ تجربة السلطة
المركزية المفترسة لجملة من العوامل، أبرزها تداول أدوات وشخصيات وثقافة السلطة
نفسها. فالسلطات المحلية التي أنتجتها المعارضة السورية، خاصة في المناطق التي
احتلتها حكومة تركيا، كمنطقة عفرين مثلا، فتكت بالمجتمع. ثم فاقمت سياسة اضطهاد
السكان الكورد الأصليين فيها، وقامت بعمليات إحلال سكاني فضلا عن الخطف والاغتصاب
وقطع الأشجار، وفرض إتاوات باهظة على المنتجين. أما في ادلب فتم تطبيق سياسة
اقصائية متشددة، تمظهرت بصيغة ما كاستعارة غير مباشرة من سلطة دمشق عهدئذ، وان
كانت على النقيض منها أيديولوجيا.
أما بعد سقوط نظام البعث والأسد
الابن، فقد استلمت قمة السلطة أحد تلك السلطات الموازية، والتي تمرست أيضاً،
وبدرجة ما على افتراس المجتمع، بل تمتلك رؤيا وعقيدة تشرعن وتسهل من عمليات
الاقصاء، فلافتراس، وصولاً إلى ممارسة المجازر. كما حدث في عامي 2025 و2026. وبصرف
النظر عن وظائف هذه السلطة والتقييم السريع لها، فمن الواضح أن ادارة عمليات
الافتراس تدخل موضوعياً ضمن قناعاتها، أو ممارساتها على أقل تقدير.
كيفية الخلاص من التوحش المتبادل؟
لا شك أن العديد من المجتمعات
المحلية والإقليمية باتت بحسب هذه المقاييس مجتمعات مفترسة، لكن تلك التي تعاني من
الحروب، وتدار من قبل أمراء الحرب تتجه نحو تشوه بنيوي، يكمن في ايقاظ كل ما هو
عنيف ومتوحش في كيان الأفراد وذاكرة الجماعات. فالعلاقة جدلية وتفاعلية بين
المجتمع المفترس والسلطة المفترسة، ولا يمكن الخروج من جحيم الافتراس والاضطهاد
المتبادل الا بعد تفكيك أصل الظاهرة. التي استوطنت في سوريا منذ أمد بعيد.
لقد بات المجتمع السوري ضحية
لعوامل التحارب والافتراس التاريخي، ما أدى إلى تضاعف مستوى الجريمة غير السياسية
أيضاً، حتى باتت سوريا في المرتبة التاسعة عالميا بحسب موقع (Numbeo Crime Index)، فضلا عن
زيادة حالات الطلاق، والتفتت العائلي. كما أن الانتشار والترويج للمخدرات مازال
يفتك بالشباب والشابات. والأخطر من كل ذلك بات العمل في حمل السلاح مهنة ومصدرا
رئيسيا للرزق. وقد تستمر هذه المعادلة حتى بعد استتباب الأمن نسبياً لصالح الحكومة
الانتقالية برئاسة أحمد الشرع لفترة غير قصيرة.
إن نجاة المجتمع السوري الذي هو
ضحية لافتراس سلطة دولتها الجائرة، كما هو ضحية لخطط الافتراس الجديدة ذات البعدين
الدولي والإقليمي، لم يعد سهلاً. إذ لا يمكن إعادة إحياء المجتمع السوري التقليدي،
ولا يمكن العمل من أجل بناء مجتمع مدني معاصر معافى بسهولة. فالخطة - إن صدقت
النوايا - تتطلب وقتاً طويلاً، أكبر من قرار وقف إطلاق نار هنا، أو فتح معبر هناك.
ان تأخر الحل السياسي الشامل في سوريا، وعدم انعقاد مؤتمر وطني جامع بصيغة ما، وعم
الاقرار التام بحق المجتمعات المحلية في ادارة نفسها بنفسها، يدفعان المجتمع
السوري نحو مزيد من التناحر وإعادة انتاج العنف الداخلي والافتراس ذات الجذرين
السياسي والمجتمعي، الذي سيفيض وسيتم تصديره الى الخارج بالضرورة، كما سيتم رفض
المساواة والتنوع، ما لم يتم الإسراع في إيجاد حل عادل للمسألة السورية بكافة
جوانبها وتعقيداتها.
أخيراً تكمن صعوبة إيجاد حلول
فعالة لظاهرة الافتراس المتبادل في أنها تتطلب سلطات أعلى من السلطات الانتقالية
أو الموازية المحلية، وقد تتطلب إمكانيات وقوة فوق إقليمية، فضلاً عن سرعة مبادرة
وجدولاً زمننا للقيام بأولى خطوات الإصلاح على مستوى الفرد، المجتمع، السلطات
المحلية، وسلطة الدولة المركزية ومؤسساتها في المقام الأول. "فكما أن الثقافة
المدنية تتطلب دعماً مؤسساتياً ورعاية خاصة كي تحيا، تتقوى أيضاً ثقافة الفساد
المفترسة في غياب مؤسسات فعالة ويمكن أن تتغير في حضورها".

.jpg&w=3840&q=75)

