استعير من قيادة موسيقار لأوركسترا
مقدرته ومقدرتهم على التناغم في العزف، لأربط ذلك بقيادة مؤسسات المجتمع ضمن سلطة
في دولة.
التناغم يتحقق في العزف لأن
الاوركسترا تضم عازفين متمكنين من قراءة اللحن المكتوب، متمكنين من آلاتهم،
منتبهين لحركات قائدهم، فلو حصل أن ظهر أن القائد ليس متخصصاً بالموسيقى، أو أن
العازفين مثله، أو أن العزف لا تضبطه لغة محددة لحصلت فوضى.
الحكم من حيث الأركان يشبه أي
نتاج صادر عن فريق من شروطه التمكن والتقيد بورق فيه نص يبين العمل.
على امتداد سنوات الحياة والحياة
السياسية والعمل، تحقق لي أن اطلع على تجارب حكم متعددة، ومنها طبعاً وأساساً ودوماً،
الحكم في العراق وكوردستان، لا يوجد للآن حكم مثالي مثالية الأداء الموسيقي الذي
استعرت نموذجه في البداية، لكن ثمة أمثلة كثيرة على نماذج حكم ناجحة قليلة النشاز
حد الانعدام، وأمثلة أكثر على حكم كله نشاز مؤذٍ.
الحكم أشبه بآلة لعزف أو عدة
آلات، لها مسكتها وطريقة تحريكهاً نقراً وضرباً ونفخاً وايقاعاً، وهي تصدر ما يمكن
أن تصدره من صوت مقصود ضمن طبقات ومحدد ضمن اشارات تقبلها الاسماع، حتى مع تباين
الأذواق.
تفاعلت على امتداد جغرافية الوجود
الانساني كل الأفكار والمعتقدات وقدمت كل ما يمكن أو يعجز عنه الخيال من أشكال ومضامين
الحكم، وحتى في أكثر دول العالم تحضراً وتقدماً فقد كانت الأمور ولسنوات قريبة
مليئةً هناك بنشاز تسبب في احداث كوارث عسكرية واقتصادية وأمنية، بل لقد تأخرت
الانسانية كثيراً حتى تمكنت اجزاء منها في ايجاد انظمة مقبولة لأغلب مجتمعاتها ومع
ذلك فهي تشهد بقاء الصراع والتنافس، عاكسة تقلبات وتطورات الفكر والحاجة والرغبات
الخاصة للسياسة والعامة من الناس، لكنها في الأخير تدرك والناس فيها يدركون حدود
السلطة وأنها اداة للمجتمع حتى في الدولة ذات النظام الملكي، وأقصد الأنظمة التي
استوفت شروط النجاح وصارت مثالاً يضرب في الاستقرار المطلوب والمقبول من الأغلب
الوطني فيها.
حدث ذلك بعد تحديد أدوار كل فريق،
تحديداً يحول دون بلع السلطة من فريق يرى نفسه هو الدولة، وتحديداً يحول دون
المغامرة بالدولة، بل ومن مقاييس استقرار أمور تلك النماذج انها أصبحت مقصداً
للباحثين عن اللجوء الانساني، في اشارة بمدلولات حقيقية الى مضمون برامج عمل
السلطات فيها.
العزف السياسي في الشرق حكماً ومعارضة
في أغلب نماذجه معيب إما بوجود عزف لم يستوف شرط الاجازة فيه، أو لقائد همه أن يقف
ويحرك بيده (باتون) عصا الاوركسترا وهو ليس من اللحن في شيء، بل الأنكى أن تتوافر
الالات والعازفون والقائد لكنهم يقدمون لحناً مزعجاً لا تتقبله الأذواق.
كل مجتمعاتنا عاشت عين الصراع
الذي عاشته الأخريات من تداخل العقائد المتضاربة والاصلاحية مع التقليدية، ومثل
مجتمعاتنا مثل غيرها، أجرمت بحق نفسها وغيرها، وقتلت وهجرت وهُجرّت، وأبادت وأُبيدت
أجزاء منها في مراحل استعار الجنون البشري الذي انقاد لفكرة الانفراد، لكن الماضي
الذي نعيد قراءته وتفسيره أظهر أن كل ذلك الجهد والخسارات لم يكن الا خطايا لا
تثبت صحة تركها الا اذا استحضر العقلاء نموذجين حاليين من نظامين احدهما اختار أن
يعزف سياسة وبرامج عمل مثمرة ثمراً طيباً وثانٍ عزف وأثمر ثماراً سامة.
الدستور الذي هو لوحة الحان
المجتمع إما أن يكون مستحقاً للتدوين والعزف بموجبه، أو أنه سيء فيتم البحث عن
بديل أفضل للجميع. إما أن يكون جيداً ويعزف العازفون بغيره فحينها
لا هم عازفون ولا ما يعزفون يستحق الاستماع اليه. وهذه هي صعوبة الحكم في الشرق أو بعض من صعوبتها.



.jpg&w=3840&q=75)