في زمنٍ باتت فيه الحقيقة عملة نادرة، وتوزعت فيه المواقف بين الخنادق والولاءات كان هناك صوتٌ يأتي من كوردستان، لكن صداه يتردد في أزقة البصرة وشوارع بغداد والمدن المنهكة المنتظرة للفرج، لم يكن هَلْكَوت عزيز مجرد وجه يطل عبر شاشة رووداو بل كان ميثاقاً غليظاً بين المشاهد والحقيقة.
واليوم يأتي رحيله المفاجئ في ذلك الحادث الأليم، وهو في ذروة عطائه وعودته من ميدان الواجب كصدمة وزلزال، لم يكن مجرد غياب لصحفي شاب بل كان صرخة ألم جماعية انبعثت من صدر كل إنسان شعر فجأة بيتم إعلامي، وحين تتفق الرئاسات وتتحد الأحزاب بمختلف ألوانها وتلتقي دموع المواطن البسيط مع بيانات التعزية الرسمية فنحن لا نتحدث هنا عن مجرد بروتوكول غياب بل نتحدث عن استفتاء شعبّي جارف على الصدق والنقاء.
لقد نجح هذا الفتى في تفكيك العقدة الأزلية للإعلام في منطقتنا؛ فلم يبع الوهم، ولم يتاجر بالخوف بل كان يدرك أن خلف الشاشة أمهات ينتظرن خبراً يفرحهن وشباباً يبحثون عن نافذة أمل، ولعل السر الكامن وراء هذه الروح الجامعة والمصداقية العابرة للمكونات يكمن في هويته ونشأته، فهو ابن كركوك، تلك المدينة التي تختزل في طينها وجغرافيتها وتنوعها كل أوجاع وآمال العراق وكوردستان. من كركوك استمد هلكوت وعيه الإنساني ومنها تعلم كيف يتحدث بلغة تفهمها القلوب في أربيل وبغداد والناصرية على حد سواء فكان يمثل التوازن والضمير الحي الذي لا يقبل البيع أو الشراء.
وموته اليوم يضعنا أمام حقيقة قاسية وهي أننا لم نفقد إنساناً صادقاً فحسب بل شعرنا للحظة أن المساحة المتبقية للأمل قد تقلصت، مات الذي كان يحمل أمانينا، مات الذي كنا ننتظره بفارغ الصبر ليقول لنا إن القادم أجمل ولذلك فإن الحزن اليوم وحّد القلوب التي فرقتها السياسة وجمعنا على منصة الدمعة الواحدة.
ومن فوق هذه المنصة الحزينة نناديك.. يا هلكوت.. يا بن كركوك البار ونبعها الأصيل ويا من صغت من كبريائها وعنفوان جبال كوردستان الشامخة صوتاً نابضاً بالحق والمصداقية، باسم كل فرد من شعب كوردستان الأبي الذي حملت آماله وتطلعاته وهويته وأمانيه في وجدانك، وباسم كل عين بكتك اليوم بدموع صادقة كوفاء أهلنا.. شكراً لك لأنك أثبتّ لنا في زمن الزيف أن الصحافة يمكن أن تظل طاهرة ونقية كضمير البيشمركة المستبسل لأجل الحقيقة، وشكراً لأنك لم تخذل عقولنا يوماً ولا قلوبنا.
غادرتنا جسداً في فاجعة ستبقى غصتها في صدور الكورد جميعاً لكن مدرسة النزاهة التي أسستها بدمك وشبابك وطهر ميكروفونك ستبقى حية ترشد الأجيال كشعلة نوروز لا تنطفئ.
فنم قرير العين يا صوت كوردستان الراحل الذي لن يصمت والذي غادرنا باكراً في ربيع عطائه لقد عشتَ وفياً لكركوك حاملاً جراح تنوعها فكنت الملاذ الأبي لشعبنا الكوردي الذي انتظر إطلالتك لترسم على وجهه الفرح وفي الوقت ذاته كنت الصوت الشجاع الذي حمل هموم ومشاكل المظلومين الذين عجز الآخرون عن إيصال أنينهم، لقد جمعتَ في قلبك كبرياء الهوية القومية الكوردية ونبض الإنسانية العابر لكل الحدود صامداً كجبالنا ونقياً كضمير شعبنا، واليوم تودعك أرض الآباء والأجداد كرمزٍ صان أمانة الكلمة بفخر واعتزاز، فلتنم روحك بسلام مطهر في تراب كوردستان العظيم الذي احتضنك وأحبك بقدر ما أخلصت له وجُلت في ميادينه.



