تباينت الدعوات السياسية والشعبية تجاه مسألة حلّ مجلس النواب في دورته الخامسة، فمع رفض قاطع تبديه بعض الأطراف، رفعت اخرى شعار (الحل بالحل) أي ان حلّ الازمة السياسية الخانقة التي تعيشها البلاد يكمن في حل مجلس النواب وإجراء انتخابات جديدة على اعتبار ان الظروف التي تعيشها البلاد اليوم كان سببها الأول وقد يكون الأخير بحسب إدعائهم، برلمان قلق متخم بالتجاذبات والتقاطعات السياسية ويجب حله في أسرع وقت والعودة الى نقطة الصفر او ما قبلها.
في النظام السياسي الحالي جرى اللجوء الى حل البرلمان لمرة واحدة فقط حصلت في العام 2021 بهدف إخماد تشرين الثورة وقد نجحت تلك الخطوة في امتصاص زخم الاحتجاجات الشعبية، واليوم تتجدد الدعوات الساعية لحل البرلمان من قبل اطراف خرجت منه وفق إرادتها وتحاول العودة مجدداً (هنا نتحدث عن التيار الصدري) الذي تشاطره بعض الأصوات ذات التأثير المتباين في اللعبة السياسية العراقية.
وبما ان المنظومة السياسية حريصة على الاحتكام الى المبادئ الدستورية ولم ترغب بتجاوزها في هذه المعادلة (بالرغم من انها قد اشبعت تلك المبادئ انتهاكاً وتجاوزاً) لكنها اليوم تصر على اللجوء الى خيار الدستور في القضية محط الجدل والاهتمام المتبادل. ذكر الدستور العراقي لعام 2005 في مادته الـ 64 أولاً خطوات حلّ البرلمان، حيث تشير هذه المادة الى الآتي:
يحل مجلس النواب بالاغلبية المطلقة لعدد اعضائه، بناءً على طلب من ثلث اعضائه، أو طلب من رئيس مجلس الوزراء و بموافقة رئيس الجمهورية.
إذاً هناك خياران لا ثالث لهما في هذه القضية، في الوضع القائم نكون قد افتقدنا الى إحدى الخيارات المتمثلة بـ (طلب من رئيس مجلس الوزراء) كون رئيس مجلس الوزراء الحالي فاقد للصلاحية الدستورية التي تتيح له استخدام سلطته المطلقة كونه يدير حكومة تصريف مهام يومية لا اكثر، فاننا سوف نضطر الى اللجوء الى الخيار الأول المتمثل بـ (طلب من ثلث أعضائه) بالرغم من صعوبة تأمين رغبة ثلث اعضاء البرلمان لتقديمهم طلباً بذلك، إلا ان الصعوبة الحقيقية تتمثل بتوفير أغلبية نيابية توافق على حل نفسها، أي اكثر من 165 نائباً يوافقون على الانتقال من منصب بدرجة وزير الى مواطن "عادي" بين ليلة وضحاها ووفق ارداتهم المحضة.
هذا الخيار قد يمثل للبعض انتحاراً سياسياً لاسيما ان نصف أعضاء البرلمان الحالي هم نواب (جدد) دخلوا البرلمان وربما العملية السياسية لأول مرة ويريدون ممارسة التجربة السياسية والتمتع بمزايا السلطة والحصول على امتيازات كأخذ مكانة اجتماعية وغيرها ممن توفرها مكانة التواجد في السلطة وقد لا يعودون اليها ثانية.
إضافة الى ان قسماً كبيراً من النواب الجدد قد لا يحصلون على رواتب نيابية تقاعدية (ضخمة) وهي الأهم في مسيرة النائب وفق العرف السياسي والاجتماعي، لذلك يجب تعديل قانون رقم 13 لسنة 2018 الخاص بمجلس النواب وتشكيلاته ليتم تكييف وضع النواب الجدد قانونياً ومنحهم حقوقاً تقاعدية، او تعديل قانون التقاعد العام في البلاد وهذا ما يعقد المشهد اكثر، خصوصاً ان قوى الإطار التنسيقي (الكتلة الأكبر) لا يروق لها حل البرلمان مع شروط الصدر وترى في ذلك "مقامرة" سياسية قد تقلص نفوذها ومكتسباتها النيابية التي تجاوزت 130 نائباً.
اذن باتت إمكانية حل البرلمان صعبة للغاية، بل تكاد تكون شبه مستحيلة في ظل رغبة جامحة بإمتلاك السلطة مع عدم ضمان قرابة الـ 75 % من النواب الحاليين الفوز ثانية في الانتخابات لأسباب عديدة يأتي في مقدمتها ان الشعب فقد الثقة بالمنظومة السياسية ولم تسمح لهم الظروف بإثبات جدارتهم لتمثيل الشعب.
السؤال الأهم في مسألة حلّ البرلمان يتمثل بالآتي: ماذا سيجني الشعب من عملية حلّ البرلمان وإجراء إنتخابات مبكرة وماذا ستجني الطبقة السياسية؟ سؤال يجيبه عنه الواقع العراقي الذي صار نقمة على شعب يواصل إنتظار قطار الأمل في محطات اليأس والقنوط التي لم يتم ربطها بسكك الإصلاح بعد.

.jpg&w=3840&q=75)

