نحن كخبراء إقتصاديين ودارسين لهذا العلم، وكمتابعين وبحرص لكل ما يجري من حولنا، من واجبنا ودوما التحليل والتنبيه وربما التحذير. فسَّر الرسول صلى الله عليه وسلم الرويبضة بأنه السفيه الفاسق الذي لا عقل له، ولا كياسة عندما يتكلم في أمر العامة، وهذا من فساد الأمور، وانقلاب الأحوال.. صدق رسول الله.
نظرية الخطر الأخلاقي عبر التاريخ، مؤداها حيث تُبرم الصفقات مع سوء النوايا، ويكون الهدف الرئيسي هو الربح على حساب المصلحة العامة.
منذ نشوء نظام المقايضة كأول نظرية إقتصادية إخترعها البشر، والتي تعتبر أول تجربة لنظام التخصص في الإنتاج والتوزيع، طوّر الإنسان نظريات لتسهيل المعاملات بين الناس. ونحن كإقتصاديين درسناها ومنّا من تابع تطور النظريات الحديثة أو ما جرى من تحديث للنظريات القديمة لتلائم العصر بما يستجد من تغيرات.
طبعا كانت هناك النظرية الرأسمالية والنظرية الإشتراكية وكذلك نظرية ماو الصينية في الحكم والإقتصاد، وكل النظريات التي أتت بعدها وحدّثت فيها أو وبَنَت عليها فيما بعد كالنظرية الكينزية، والإشتراكية الليبرالية، ونظرية العرض والطلب ونظرية آدم سميث في الأقتصاد الكلاسيكي، والنظرية النقدية.
وكل نظريات التنمية الأقتصادية والبشرية، كنظرية الدفعة القوية، ونظرية النُّمو المتوازن والنُّمو غير المتوازن، ونظرية أنماط النُّمو، ونظرية التغيير الهيكلي وأنماط التنمية، ونظرية مراحل النُّمو، ونظرية التبعية الدولية.
كل نظام في أي بلد يتبنى إحدى هذه النظريات أو بعضها أو مزيج بينها وحسب الآيدلوجية التي يتبناها، وكما هو معلوم فهي نظريات تتبنى كل تفاصيل الإنتاج والتوزيع والاستثمار والتمنية والسياسات المالية والضريبية والملكية الفردية والعامة.
لكن كل هذا في كل الأنظمة يجري تحت إطار شامل وجامع يطلق عليه إسم الدولة والتي يتمثل هيكلها وشكلها بكافة مؤسساتها التي تنظم كل شيء ابتداء من الاقتصاد الى السياسة وهي بمجملها تشكل المعنى الحقيقي لمفهوم السيادة.
في نهايات القرن الماضي ظهرت نظرية الرويبضة في الإقتصاد وذلك بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران، وهي نظرية تتبع منهج الحكم الثيوقراطي الديني والذي كان سائدا في العصور الوسطى ولغاية الثورة الصناعية وحركة التنوير في اوروبا تحديدا والتي فَصَلَت السياسة عن الدين.
نظرية الرويبضة وهي إدارة شؤون الدولة من قبل المعممين وتابعيهم ومريديهم وبشكل هرمي، من غير ذوي الإختصاص الإكاديمي لعلم الإدارة والذي ينظم باقي التخصصات العلمية وحسب متطلبات كل نشاط داخل الدولة.
اليوم كل مناحي الحياة الإقتصادية في البلاد التي تخضع للنفوذ الإيراني كالعراق وسوريا ولبنان واليمن تدار من خلال نظرية إقتصاد الرويبضة والذي عاد بتلكم البلاد الى عصور المقايضة البسيطة، رغم وجود البنوك والنظم والمؤسسات الإئتمانية ووسائل الإتصال الحديثة، والتي هي بمفهومهم السطحي ليست سوى وسائل لحفظ الأموال وصرفها بشكل فج وبسيط، وكما كان الحال علية حينما كانت تجمع الغنائم ببيت المال ليتم توزيعها وتقاسمها حسب قوة ونفوذ كل عمامة ومرجع ديني في منظومة ما سمي بأحزاب الإسلام السياسي اليوم.
هذا النظام القائم على الإستحواذ والنهب المنظم لعائدات النفط في بلد غني ومنتج كالعراق والذي مر عليه عقدين من الزمان لن يستمر ليتعدى عقده الثالث أو يُتِّمَّهْ مهما كانت الظروف أو عوامل القوة والنفوذ التي تُقيمُه أو تقف من وراءه.
وذلك لعدد من الأسباب الموضوعية أهمها هو الجانب الإجتماعي من الشق الإقتصادي والذي يؤدي الى تفاقم إزدياد الهوة والفجوة بين الدخل ومعدل الإنفاق والاستهلاك الفردي صعوداً الى مستويات أعلى في هيكل التنظيم الهرمي من نظام الرويبضة.
ففي نظام الرويبضة هذا دائما ما تلجأ الحكومة المُشَكَّلة من توليفة المصالح والنفوذ الى القروض لسد العجز الهائل لتوفير الحد اللأدنى من الإنفاق الذي تتبناه، وهذا كله ربما لن يؤدي (في البلاد الخاضعة للنفوذ الإيراني) الى الثورة وكما حدث في أوروبا للتخلص من هيمنة الكنيسة ورجال الدين، ولكنه وبالتأكيد سيؤدي الى إنهيار النظام بمجمله وذلك بسبب سيؤدي ويؤول اليه من إرتفاع معدلات التضخم الخيالي وما يصاحبه من إرتفاع جنوني للأسعار مقارنة بالدخل والناتج الفردي صعودا الى الناتج المحلي الإجمالي والناتج القومي الإجمالي (مع كل التعديلات التي حصلت عليهما لمقاربة واقع نصيب الفرد الحقيقي) واللذين يسجلان أرقاما صفرية لو إستبعدنا مداخيل بيع النفط ومنذ الغزو في 2003 في الحالة العراقية.
فالعراق يعتمد على ميزان تجاري أحادي يعتمد فقط على واردات إنتاج وبيع النفط، وهو ما يؤثر سلباً على ميزان المدفوعات بشكل تراكمي سلباً عبر الزمن.
إن الفجوة الهائلة بين الدخل والإستهلاك أو الإنفاق تؤدي الى حتمية أنهيار أي نظام وهي التي أدت الى إنهيار النظرية الإشتراكية وتفكك منظومتها في كل البلاد التي كانت خاضعة لها بعد الحرب العالمية الثانية، وكما نعلم فأن الإنهيار في أوروبا الشرقية، معظمها لم تحدث بسبب الثورات وإنما بسبب إنهيار النظرية نفسها.
وهذه الفجوة نفسها تؤدي أيضا وبخطى حثيثة الى إنهيار وتآكل نظرية الإقتصاد الرأسمالي الحر، كنتيجة حتمية للتضخم والمديونية الخرافية التي تتربع على جبلها، والتي انفجرت فقاعات بسيطة منها في الأعوام 2008/2007 و2015/2014 والأزمة التي رافقت جائحة كورونا وما تلاها.
كل هذا نتيجة التضخم وإنهيار القيمة الحقيقية للدولار كعملة أساس لتقييم التبادلات عالميا ، كل هذا حدث ويحدث كنتيجة حتمية وسبب، فما بالك بنظرية الحُمق الرويبضة؟
إن الخطر الإقتصادي لا يقل تأثيرة عن الخطر الأخلاقي كنظرية، وحينما يجتمعان معاً ستكون حتمية التغيير آتية لا محالة، ولكن! فكروا جيدا.. ما هو الشكل القادم بعد ذلك.



