الدولة مفهوم كبير لا يمكن بناءه عبر أبيات "الابوذية والزهيري" او قصائد الشعر التمجيدية او الأغاني الإيقاعية التي تحاول جعل الجحيم العراقي "گمرة وربيع" ولا حتى "الغيرة العراقية" ذلك المصطلح الذي انتجته مراحل الفشل والإخفاق التي عاشتها البلاد منذ تأسيسها حتى لحظة كتابة هذا المقال والذي قد يستمر هذا الفشل الى ان يقضي الله أمراً كان مفعولاً.
الدولة مفهوم كبير لا يستوعبه معظم الذين يتصدرون المشهد اليوم والذين يعتقدون ممكن المضي قدماً تحت بركات السماء دون وجود اي بوادر تخطيط ستراتيجي ممكن من خلالها تجاوز الحظ والصدفة والاستعداد لأي طارئ ممكن يعترض تنفيذ الخطط المسبقة. اذا اردت بناء دولة حقيقية ممكن ان يعيش فيها الفرد بأقل معايير الإنسانية على اقل تقدير، فلا بد من الانسلاخ من مفاهيم العواطف والمشاعر والامزجة التي يتعامل بها الجميع مع الجميع.
النظام السياسي الحالي تجربة مريرة جثمت على صدور العراقيين بالرضا او بالاكراه وصارت واقعاً لا يمكن تجاوزها وعلينا الاخذ بيد هذا النظام الى بر الامان من اجل انجاح اول تجربة ديموقراطية في البلاد لم يكتمل نضوجها حتى الآن بعد ان بات التخبط سيداً للمشهد نتيجة صناعة مفاهيم جديدة للمواطنة عنوانها الهوية الفرعية الذي جعلت خسارة الآخر مكسباً لك وربحك خسارة له.
يالله! إيعقل ان نتمنى الدمار لغيرنا كي نخرج منتصرين؟ تلك هي ثقافة الاخوة الاعداء الذين يبحثون عن تقليل عديدهم من اجل زيادة مكاسبهم. هكذا ثقافة قد تميت الجميع وتجعلنا اكثر خسارة واندحاراً وانحداراً. فرح البعض عندما سيطر الأشباح على مناطق السنة ذات وقالوا (حيل بيهم هم من جنوا على انفسهم) وهم لا يدرون ان الجذوة التي اوقدت في الموصل اكتوت فيها بغداد والبصرة واربيل وغيرها من المدن التي خسرت خيرة شبابها نتيجة ما حصل.
نظرة الاستشفاء هذه تتجدد كل يوم حين يسقط العراقيون خارج اسوار البلد مدافعين عن ما يعتقدون انه اسمى واقدس من مفهوم الوطن، وكأن ما يجرى هو غياب احد الورثة، اذ سيساهم هذا الغياب بتقوية طرف على حساب الآخر.
بالأمس صفق البعض وهلل وربما وزع الحلوى نتيجة تعرض مدينة اربيل الى عدوان اجنبي سافر بحجج واهية، مشاعر الفرح بهذا القصف لم يخفيها بعض قاصري الانسانية والوطنية وهم يتناقلون ما جرى وكأنه مكسب جديد يضاف الى مكاسبهم، في حين ان ما حصل لا يمكن لأي بني آدم يمتلك ذرة من الضمير الحي ان يتقبله.
ان الثقافة السائدة اليوم والتي تسربت من النظام السياسي الى شريحة واسعة من الشعب هي ثقافة إلغاء الآخر او تقليل نفوذه من اجل اخذ حصته ونصيبه من تركة "العراق المرحوم" وهذا ما لا يمكن ان يحصل إطلاقاً. علينا استحضار الدروس والعبر من الذين سبقونا في الحكم حين اردوا إبادة شيعة العراق بحجة انهم غير "مكتملي" الوطنية، وها هم الشيعة اليوم يحكمون البلاد بطولها وعرضها، علينا الاستفادة من تجربة قتل وتشريد الكورد ومحاولة طمس هويتهم، حيث كان عنوان هذه التجربة الفشل الذريع بحق الشعب الكوردي في العراق الذي اصبح ابناؤه واجهة فخر للبلاد عبر تبؤهم رئاسة الجمهورية.
كذلك علينا عدم نسيان ما جرى لطوائف ومكونات عراقية اصيلة كالتركمان والايزيديين والشبك بسبب هواياتهم الفرعية التي شكلت عائقاً ذات يوم امام حصولهم على ابسط حقوق المواطنة. كذلك ما يحصل بحق المسيحيين والصابئة اليوم محزن ومخجل بعد ان تناقصت اعدادهم واصبحوا مهددين بالفقدان نتيجة هجرتهم بعد ان ادركوا انهم مواطنون من الدرجة الـ16 . ان العراق اليوم يمتلك فرصة كبيرة واخيرة تتمثل بتغييب المصالح الفئوية وصناعة قرارات ذات ابعاد وطنية إصلاحية تنفذ عبر برامج قويمة لا ببركات الدعاء كما تدار الدولة اليوم، وإلا سوف تغرق السفينة برمتها ولا وجود لأطواق نجاة ممكن ان تجعل احدنا سالماً "مدري" غانماً.

.jpg&w=3840&q=75)

