ذات مرة قرات كتاباً تحت عنوان (العرب من وجهة نظر يابانية) يتحدث الكاتب وهو دبلوماسي ياباني عن مشاهدات ومواقف عاشها خلال تواجده داخل المجتمع العربي في اكثر من دولة. هذا الكتاب يجسد النظرة اليابانية لعمق المجتمع العربي وما يعيشه من ازمات في الوعي وكيفية التعامل مع الآخر وفق المعايير الانسانية.
ان المجتمع العراقي وكجزء من المجتمع العربي الذي يعيش ازمات حادة غير منطقية في حكمه على الاشياء وتصوراته عنها، انقسم اليوم إزاء الحرب التي شنتها روسيا على الشعب الاوكراني رغبة منها في استعادة امجاد الاتحاد السوفييتي السالفة، وهذا طبيعي لشعب يحاول طرح وجهات نظره في كل شيء. غريب امر المواطن العراقي العارف بكل ما يمكن معرفته بدءاً من صناعة المعجنات وصولاً الى تطوير المركبات الفضائية. في بلد متخم بالازمات والمشاكل يحاول العراقيون تقديم وجهات نظرهم في الحرب القائمة على اطراف القارة العجوز.
صحيح ان الحروب الاوروبية ذات طابع عالمي تؤثر بشكل كبير على حياة الشعوب القريبة والبعيدة منها، لكن الاهتمام العراقي بهذه الحرب مبالغ فيه الى حد كبير، حيث لم ينبع من وجهات نظر انسانية او واقعية على اقل تقدير تركز على ارتدادات الحرب ومدى تأثيرها على البلاد سياسياً امنياً اقتصادياً وهذا الاهم بعد ان وصلت أصداء الحرب الى لقمة عيش العراقيين نتيجة ارتفاع اسعار السلع والمنتجات الغذائية عالمياً وتذمر العراقيون من هذا الارتفاع كان واضحاً من خلال تعليقاتهم على زيادة سعر زيت الطعام وبعض المنتجات الأخرى، التي قد تفوق قيمتها سعر الزيت الذي اصبح مادة متداولة لسخرية العراقيين المعهودة في الحكم على الاشياء بطريقة توحي انك وسط مسرح شعبي ساخر، لا بين مجتمع يعرف الكثير عن الحروب ونتائجها اكثر من غيره بعد ان تعايش معها على انها الحياة الطبيعية له، ولا يمكن ان يتخيل العيش بلا حروب افقدت البلاد ملايين القتلى وضعفهم من المهاجرين.
جميع المواقف العراقية كانت عبارة عن ردات فعل لتخندقات واصطفافات محاور عالمية شرقية وغربية الموقف الرسمي للدولة ما يزال على الحياد حتى الآن، لكنه لن يستمر بهذا الحياد وفقاً لسياسة المحاور التي ستقحم البلاد فيها بالاكراه. مناورات الحكومة العراقية في التعاطي مع تلك القضية كانت واقعة تحت تاثير الضغطين الدولي والاقليمي، فمن جهة امتنع العراق عن التصويت لصالح قرار تبنته الامم المتحدة يدين الحرب الروسية على أوكرانيا وهذا الموقف يمكن حسابه تأييداً لصالح الروس، في المقابل طالب البنك المركزي العراقي مؤسسات الدولة كافة التريث في مسألة ابرام العقود مع الجانب الروسي وعدم تحويل اي مدفوعات مالية تمر من خلال النظام المالي في روسيا معللاً ذلك بمحاولة حماية النظام المالي العراقي الذي يعاني من اشكاليات معقدة.
وما بين الموقفين الشعبي والرسمي هناك مواقف تتمثل بنصب صورة الرئيس الروسي وسط العاصمة بغداد وازالتها من قبل القوات الامنية بعد ساعات، فتح باب التطوع للعراقيين الراغبين بالقتال الى جانب الجيش الروسي من قبل احدى قنصليات روسيا في العراق خطوة لاقت ردات فعل متباينة هي الاخرى، مؤشرات لم تحظ برد رسمي لكنها تدل على رغبات بتوسيع الاهتمام الاقليمي والدولي بما يجري هناك عند حدود السوفييت وعدم وجود موقف واضح وثابت للدولة العراقية تجاه تلك الحرب التي تدور رحاها فوق رؤوس مدنيين اوكران عزل.
الإعلام العراقي هو الآخر لم يقف موقفاً مهنياً محايداً تجاه ما يجري، فالى جانب الاهتمام المبالغ به بنقل الواقع هناك، كان الميول واضحاً الى احدى الاقطاب، وهذا ما يؤكد تأثره بصراع الارادات الدولية وخضوعه لمواقف الاصطفافات المعلنة من تلك الحرب. سياسياً لم يخفي المعارضون او المؤيدون للحرب مواقفهم منها، حيث غردت اطراف عديدة بمواقف تعارض ما اعلنته الدولة العراقية تجاه الازمة، واعلنت اخرى عن تبنيها لخطاب يقف مع الدولة تارة ومع مصالحها في مناسبات اخرى.
ان المواقف العراقية مجتمعة رسمياً سياسياً إعلامياً وشعبياً توضح حجم الانشقاق والتشظي داخل دولة نذرت نفسها على كافة المستويات والاصعدة لخدمة اطراف خارجية بدل ان تفكر بمصلحة البلاد وشعبها الذي يرزح تحت وطأة ازمات يصعب على العراقيين حلها بمفردهم على ما يبدو، وهذا ما يؤكد عدم اهتمام جميع الاطراف بالعراق كدولة وبالشعب كمجتمع عانى الامرين نتيجة الحروب التي خاضتها البلاد خارجياً وداخلياً، وعدم إدراكهم لتبعات تلك المواقف التي يجب ان تتوحد بما يخدم مصلحة البلاد التي اصبحت اخر اهتمامات العراقيين.
في الوقت الذي نحتاج فيه الى قرارات اكثر حزماً تحمي المصالح العراقية عبر اتخاذ مواقف ذات بعد انساني اولاً، والعمل على استثمار الصراع الدائر لجلب المزيد من المنافع للبلاد كما تفعل جميع الحكومات التي تفكر لخدمة قضايا دوّلها اولاً قبل التفكير بأي شيء آخر، وهذا ما يغيب عن رؤية صانع القرار العراقي الذي كان ومازال وربما سيقى يفكر بطريقة الربح والخسارة ليس لمصلحة الدولة او الشعب، وإنما لمصلحة مدة وجوده داخل منظومة السلطة لا اكثر.

.jpg&w=3840&q=75)

