"التوازن السياسي" احدث جملة تضاف لسرديات الفشل السياسي ويبتكرها الخيال الانتخابي الخاسر الرافض مغادرة مساحته في السلطة، بل استمرار وإدامة منهج التوافق والمحاصصة في تقسيم كعكة السلطة وامتيازاتها بالمال والنفوذ وعناصر القوة المستلبة من حقوق المواطن.
الإنسداد السياسي واستعصاء الحل يمثل أحدى أوجه أزمة ديمقراطيات الشرق الأوسط المتكلس بمفاهيم الآيديولوجيا الدينية والتعصب الطائفي والعرقي والعشائري، ومن هنا تجدها ديمقراطيات هجينة وهشة بل ويقتصر فهمها على ممارسة واحدة فقط، ألا وهي الانتخابات التي تجدد بقائها بالسلطة وبخلاف ذلك فأنها لن تتردد عن التلويح بالقوة واستخدام العنف واستباحة البلاد من أجل الحفاظ على سلطتها، ضاربة عرض الحائط اسلوب التداول السلمي للسلطة .
الاحزاب التي تتشكل بمحض امتلاكها للسلطة تبقى تتمسك بها، لأنها ستفقد قوتها والمتحلقين حولها عند فقدانها لهذه السلطة ونفوذها، بمعنى آخر أن هذه الاحزاب عبارة عن شركات مالية واستثمارية تنفرد بالعزف على مصالحها الشخصية وما فاض عنها من تسليب يرمى لاتباعها، ما يجعل منها موسمية التكوين والقوة، ولا تملك جمهورا واقعيا بالانتماء والترابط الوجودي والوطني معها، فإذا امتلكت السلطة يرتفع رصيدها الى عشرات المقاعد البرلمانية وإذا خسرت السلطة يهبط رصيدها لمقعدين أو أدنى، وهنا لا تجد أمامها سوى الطعن واتهام الاطراف الاخرى بالتزوير والبحث عن مخرج لأزمتها اذ يشكل التهديد باستخدام السلاح خيارها الأخير، الأمر الذي يجعل الديمقراطية مفرغة من مبادئها ومحتوياتها الاجرائية .
الأزمة القائمة الآن على الرصيف السياسي الشيعي ما بين الكتلة الصدرية والاحزاب الخاسرة لمقاعدها، لا تبتعد عن هذه التمثلات التي تجعل الفرقاء السياسيين من السنة والكورد يستشعرون بخطر الأيام المقبلة، ما يجعل البحث عن مخرج للأزمة ينتهي لتكريسها في خطاب "التوازن السياسي"، بدلاً من الإيمان والتسليم بحقيقة أن الشعب قام بمعاقبة هذه الاحزاب مرتين، الأولى بانخفاض حاد في المشاركة الانتخابية، والثانية في الامتناع عن اختيارها والتصويت لها وذهاب الاصوات نحو أسماء المستقلين والتشرينيين، خصوصاً في وسط وجنوب الوطن.



