الجزء الأول
بدراسة لمدى تأثير المثقف على المجتمع، يقول الفيلسوف الشاعر الروماني سينيكا (4 ق. م. 65 م) "نحن بالفعل الذين نقول إن كلاً من زينون وخريسيبوس حققا إنجازات أكبر مما لو كانا قد قادا الجيوش أو تقلدا المناصب أو سنّا التشريعات. لأن السنة التي سنّاها لم تكن لدولة ما بعينها، وإنما للبشرية أجمع" يلاحظ وعلى عتبة هذا الوصف لفلاسفة المدرسة الراقية اليونانية، أن مهمة المثقف لا تقف على حدود جغرافيا معينة، أو طرف حزبي دون الآخر، وهو خارج من يمكن وصفه بالانتهازي.
لأهمية هذا الموضوع المعقد والمثير للجدل والالتباس، تناول الفلاسفة والحكماء والكتاب منذ ما قبل الميلاد وحتى يومنا هذا، وسيستمر، والأسماء أكثر من تحتضنهم صفحاتنا، بينهم عدد من كتابنا الكورد، إما بمقالات ودراسات، أو كتب معنونة تحت مصطلحات متنوعة، وكل قلم أسقطه على واقعه، وألقى عليه نظرته منطلقاً من ظروفه الثقافية والسياسية، والواقع المعاش، والمفاهيم المدرجة في بيئته. وبما أنه من غير المعقول قبول مقولة إن أغلبية الناس مثقفون، ويصنفون على سويات، فلا يمكن أن ندرج المثقف الحقيقي التنويري، والتنظيري والمتحرر من رغبات السلطة والمال، والذي يفضل وعي الذات وتنوير المجتمع وتصحيح مسار الحركات السياسية، على الملذات الخاصة، بالانتهازي، أو نلصق الانتهازية بالمثقف، مثلما يتصف به شريحة من السياسيين أو الوصوليين المتعلمين.
وبالإمكان تجاوزاً، إسقاط هذا الوصف على المجتمع الكوردي قبل الآخرين، ومن هو الذي لا يمكن وصفه بالانتهازي، أو المثقف الذي يتوجب عليه أن يبحث عن الطرق التنويرية لتغيير الثقافة الشمولية التي رسختها الأنظمة الدكتاتورية في مفاهيمنا، والعمل على خلق الثقافة الحضارية الديمقراطية بين المجتمع، وعدم التقاعس على تصحيح مسارات حراكنا السياسي وتوعية الحزبي المثقف؛ وتعليمه مبدأ قبول الآخر، والتعامل بمثل ما يريد الآخر أن يعامله، ومتى ما تقاعس في مهمته هذه يكون قد سقط من سوية وصفه كمثقف.
لذلك فالمثقف الانتهازي؛ مقولة خاطئة، تحتضن جملة من المغالطات وتخلق العديد من الإشكاليات، في الوسط الاجتماعي قبل الثقافي والسياسي، كما وتضعف الثقة بالحركة الثقافية، خاصة في أوساط الحركات التحررية، كالواقع الكوردستاني، وتقلل من مكانة الشريحة الواعية والواعدة، وتخدم السياسيين الانتهازيين ضمن الأنظمة الشمولية أو الأحزاب، وتضعف تأثير سلاح النقد، وتغطي على أشباه المثقفين الانتهازيين التابعين للمؤسسات السياسية، الصامتة أو المبررة لتجاوزاتها، وهذه الشريحة كثيراً ما تصاب أفرادها بالهيستيريا عندما تتعرض إلى نقد شخصي، وردودها تبلغ حد الشتيمة والتخوين.
تسقط عن التهمة نسبيتها، عندما لا يتم التمييز بين المثقف والمثقف الحزبي أو بالأحرى السياسي المثقف الواعي والأناني، وشريحة من المجموعة الأخيرة هم الذين بالإمكان إدراجهم ضمن خانة الانتهازي، لأن المثقف الحقيقي هو المبدئي، لا يمكن استغلاله، ولا يسمح لذاته السقوط في خانة الابتذال مع الأنظمة أو الأطراف السياسية أمام قرائه، وهنا يظهر جلياً منطق (ميكافيلي 1469-1527م) "السياسة لا علاقة لها بالأخلاق" فالمثقف كثيراً ما يتجنب منطق السياسي مفضلاً الأخلاق على السياسة، مع ذلك؛ في الواقع الكوردي المتلاطم؛ يجد المثقف ذاته في خضم الصراعات، ولذلك نجده بين شرائح المجتمع الأكثر عوزاً.
وللابتعاد عن المطلق في الحكم؛ كثيراً ما تفرض على مثقف ما ظروف فيسقط في الهوة، لكن ولكونه يحمل هموم المجتمع والشارع، لا ينتهز الفرصة، بل يؤنبه ضميره وسيحاول التعويض وتبرئة الذات، بعكس السياسي المتثقف، والذي يجد في الانتهازية حنكة، وعوضاً عن تنحية نفسه من الإشكالية، سيبحث عن البيئة الملائمة للاستفادة الشخصية بكل الأساليب الممكنة.
المقولة، وإلصاقها بالمثقف، بشكل عام، من المفاهيم الخادعة التي روجت لها الأنظمة الشمولية الدكتاتورية، لتمرير أجنداتها كسلطة، من خلال إضعاف ثقة الشارع بالكلمة والقلم، فالسياسي هو من يعرف خفايا الانتهازية، وهو الممتهن للحالة، وبخباثة، بعكس المثقف الذي يقدر الكلمة النقية مع العمل الصادق ليقدمها للمجتمع بنقاء نية وصفاء فكر. ولذلك أعماله تنغص السياسي، مثلما نوه إليها (نيكولو مكيافيكلي) قائلاً "والحقيقة هي أن الرجل الذي يريد أن يتصرف بشكل مستقيم في كل شيء يأتي بالحزن على العديد من الذين ليسوا صالحين" وفي الواقع أن السياسي الانتهازي هو أكثر الفاسدين بين المجتمع.
عملت السلطات الشمولية على جعل التهمة مفهوماً بين المجتمع، في المراحل التي حاولت تحريف الثورات وتشويهها، وكتم صوت المثقف الوطني الواعي ونقده، وتسيير المجتمع على منهجيتها، فاتهمت المثقف المعارض بصفات متعددة منها الانتهازية.
وكانت لهذه التسمية أو الوصف محاورها النسبية، تغاضت عنها الأنظمة الاستبدادية بخباثة، متجاهلين أنه قد يكون المثقف انتهازياً في نظرهم، أو حسب تقييم نظام ما أو طرف سياسي، لكنه بالنسبة لأطراف أخرى صاحب مبدأ. فتنقله من بيئة إلى أخرى، دافعه قناعات يريد بها خدمة المجتمع، وبما أن البنية الواقف عليها والتي ينطلق منها راسخة، فمن الصعب تبدل مفاهيمه، حتى عندما ينتقل باستمرار من نقد جهة إلى أخرى، أو يوصف جهة اليوم وجهة أخرى أحياناً أخرى.
فالانتقال حسب الظروف من بيئة إلى أخرى، الموصوف بالانتهازية، جله ليس نابعاً من بحث عن الأجواء الملائمة لذاته أو لمعيشة أفضل، بل لأن البيئات تختلف حسب المصالح وأجندات القوى المهيمنة، وعندما تتعارض مع بنيته الفكرية ومفاهيمها لا يجد مانعاً من الانتقال إلى الضفة المقابلة، وكثيراً ما فعلها المثقف الكوردي، وغيّر من قناعاته، إلى درجة الاعتذار عن ماضيه، ونقد وبقوة ما كان يدافع عنه سابقاً، وأصبح من كان يهاجمه البارحة من بين المتفقين معهم.
حدث مثل هذه بين الحراك الثقافي الكوردي وفي كل الاتجاهات، وهي نابعة إما عن تراكم معرفي، أو على خلفية الوعي، المؤدي إلى تغيير في القناعات الشخصية. وهنا لا يحكم على أي منهم، بالانتهازي بقدر ما يمكن إدراجهم ضمن خانة المثقف الصادق مع ذاته أولاً وقضايا مجتمعه وأمته ثانياً، وهو من يحاول أن يكون قريباً من القضية التي يؤمن بها، وهنا لسنا في مجال من المخطئ أو الصح، وهي جدلية نسبية مرتبطة بالكثير من العوامل.
ولعل ما يجري اليوم على الساحة الحزبية الكوردية حيث تستمر جلسات التفاوض، على خلفية الضغوطات الأمريكية الفرنسية الهادفة لخلق تقارب ما بين أطرافها المتنافرة، والتي حصلت على موافقة أغلبية الشعب والحركة الثقافية، نأمل أن تتغاضى عن مفاهيمها الانتهازية، تحت حجة اللعبة السياسية، وفي الواقع لا ترقى إلى أبعاد السياسة، والتي رسخها مكيافيلي بمقولته المشهورة "الغاية تبرر الوسيلة" ليت غاية الوطن تطغى في هذه المرحلة الحساسة على الانتهازية الحزبية.
وعليه يتطلب من الطرفين التفاوض؛ من جهة على مصير المنطقة الكوردية، ومن جهة أخرى على تحييد الهيمنة الحزبية من خلال التخلي عن خدعهم داخل أو خارج قاعة الجلسات.
لا نستبعد أنهم يدركون أن انتهاز الفرص الحزبية، ليس لمصلحة الأمة، وهو لا يدرج ضمن منطق الحنكة السياسية، وخدعها، بل يعكس مصالحهم الحزبية وحتى أحياناً الشخصية قبل الحزبية، ومن غير المستبعد أن يكون على خلفية إملاءات ما، والشارع الكوردي منتبه لمجريات الأحداث، والممتعض على خلفية بعض التصريحات الصادرة من الطرفين، بشكل مباشر أو على ألسنة البعض المكلف بنشرها، والتي تظهر وكأنهما لا يستطيعان التخلص من الثقافة الحزبية الانتهازية، ومخلفات صراعاتهما الماضية، والمأمول أن لا تتملص الفرصة الدولية هذه من بين أيديهم، ويستخدموا هنا كل أبعاد الانتهازية السياسية الممكنة، حيث يلاحظ ظهور بوادر جدية من الأمريكيين والروس حول هذه القضية، وقد تكون بداية حوارات سياسية على مصير سوريا، فتتبدى وكأن إشكالية المنطقة الكوردية ستدرج كأحد أهم البنود المتوقع عرضها على طاولة الحوارات الدولية...
يتبع...

.jpg&w=3840&q=75)
.jpg&w=3840&q=75)
