آزاد ولدبكي
دخلت القوات الأمريكية العراق في 2003 بهدف إسقاط نظام البعث، وكان قوامها 170 ألف جندي حتى 2011، وبعد الاتفاق الأمني بين العراق وأمريكا في 2008، تم سحب القسم الأكبر من هذه القوات بحلول نهاية 2011. بعد هجمات داعش في 2014 عادت هذه القوات من جديد ضمن التحالف الدولي المضاد لداعش ويزيد عدد عناصرها في العراق على خمسة آلاف حالياً.
في البداية، تصدى السنة الذين خسروا السلطة في العراق نتيجة تدخل هذه القوات، بشدة لوجود القوات الأمريكية في العراق. ثم وبعد ترسيخ سلطتهم في البلد، بدأ الشيعة بالتدريج يطالبون بخروج القوات الأمريكية من العراق، لأنهم يجدونها عقبة في طريق سلطتهم الجديدة، وكان هذا هو هدفهم من الاتفاقية الأمنية بين الدولتين.
بعد حرب داعش، وتوسع النفوذ الإيراني في العراق واشتداد الصراع بين طهران وواشنطن (نتيجة انسحاب أمريكا من الاتفاق النووي) ثم وبعد قتل قاسم سليماني وتحول بقاء القوات الأمريكية إلى خطر يهدد السلطة الشيعية على العراق وإيران، كثفت الأطراف الشيعية من جهودها لطرد القوات الأمريكية من العراق، لهذا استصدرت في 15 كانون الثاني 2020 قراراً غير ملزم من مجلس النواب العراقي من ثلاث نقاط أساسية هي: إجبار الحكومة العراقية على إلغاء طلب المساعدة من التحالف الدولي المضاد لداعش وإنهاء وجود القوات الأجنبية في العراق، ومنعها من استخدام الأجواء العراقية لأي سبب ورفع شكوى رسمية عراقية في الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي ضد العمليات العسكرية الأمريكية على الأراضي العراقية.
برزت بوضوح الخلافات الستراتيجية بين الكورد والشيعة والسنة عند التصويت على مشروع قرار إخراج القوات الأجنبية (الذي يستهدف القوات الأمريكية بالأساس) في مجلس النواب العراقي، حيث قاطع الكورد والسنة الجلسة. الأمر الذي أغضب شيعة العراق والحكومة العراقية من الكورد. لا ننوي هنا الخوض في مدى أهمية ذلك القرار قانونياً، لأن المحكمة الاتحادية العراقية حسمت هذا الأمر مسبقاً بقراريها (57/ اتحادية/ 2011) و(89/ اتحادية/ 2019) وقررت أنه لا يحق لمجلس النواب إصدار قرارات تشريعية خارج إطار النصوص الدستورية.
ما نريد الخوض فيه هنا هو تحول موضوع إخراج القوات الأمريكية من عراق متخم بالخلافات والصراعات والأزمات المتنوعة إلى نقطة خلاف جديدة بين الكورد والسنة وبين الشيعة. فقد أثبت موقف الكورد والسنة من القرار أنهما يعدان خروج القوات الأمريكية تهديداً لمصيرهما وزيادة في النفوذ الشيعي، وأنهما لهذا السبب يجدان بقاء أمريكا ضمانة لحماية حقوقهم ولحفظ التوازن في القوة بين المكونات الرئيسة للعراق. ما يعني أنه لم تتشكل حتى الآن في بغداد حكومة وطنية تكون موضع ثقة جميع المواطنين، وأن ما هو قائم الآن عبارة عن حكم طائفي، وأن الشيعة يسيرون في نفس الاتجاه الخاطئ الذي سلكه السنة على مدى ثمانين سنة من حكمهم العراق.
الخلاف بين هذه المكونات الثلاثة على انسحاب القوات الأمريكية دليل على الخلاف الستراتيجي بينها، ويبدو أن إصرار الشيعة على هذا سيعمق الخلافات وسيؤدي إلى أزمة جديدة في العراق ليس مستبعداً، في حال عدم التوصل إلى حل لها من خلال حوار وإجراءات سياسية وتوافقية، أن تدفع القوى والأطراف العراقية (الكورد والسنة والشيعة) بتشجيع من الخارج وحضور السلاح إلى العمل على حلها بالطرق العسكرية، ما سيمضي بالبلد نحو مستقبل مجهول.
في هذه الأثناء، لم يكتف الأمريكيون بالإعلان عن أنهم لا يفكرون قطعاً في الانسحاب من العراق، بل هناك أخبار تتحدث عن زيادة عدد قواعدهم في إقليم كوردستان، وهذا بالنتيجة سيعمق من الخلاف بين أربيل وبين بغداد وطهران. لذا يتوقع أنه في حال استمرار الخلاف أن تعمد طهران وبغداد إلى زيادة الضغط على أربيل وزيادة في بروز الخلافات الستراتيجية بين الطرفين، لكن ورغم غياب الثقة الستراتيجي، فإن التعاون التاكتيكي بينهما قد يستمر نتيجة الالتزامات التي يفرضها التجاور بينهما.
كما يبدو أنه في حال زيادة عمق الخلاف بين الكورد والسنة والشيعة، أن تزيد صعوبة بقائهم واستمرارهم ضمن إطار مؤسسات الحكومة العراقية، التي قامت على أساس التوافق بين المكونات الثلاثة. إضافة إلى هذا، ليس بمستبعد أن تكون لهذا آثار سلبية على مسار تشكيل الحكومة العراقية الجديدة التي من المقرر أن يشكلها محمد توفيق علاوي.


