طفل صغير ربما لم يتجاوز العشرة أعوام خرج مع المتظاهرين وهو يحمل العلم العراقي، أرعبت هذه الرسالة التي يحملها حكام العراق عبيد إيران، وهو يطالبهم بوطن يقف بتحدي وشجاعة فيوجوههم. صوبوا بنادقم نحوه وملأوا صدره الطاهر بالرصاص، قتلوه أمام أعين العالم أجمع. هرع إليه رفاقه الأبطال ليسعفوه، ولكنه كان قد فارق الحياة. كل المحيطين به من الماره أو من أصحاب المحال التجارية أصبحوا يلطمون رؤوسهم وينوحون منتحبين من هول الصدمة. فتشوا جيوبه لعلهم يجدون فيها ما يدلهم على ذويه. لم يجدوا سوى 500 دينار "تعادل أقل من نصف دولار" وهاتفاً محمولاً قديماً ليس به رصيد. نعم بلا رصيد.
في رثاء كل شهداء انتفاضة تشرين..
ليس شريفاً كل من وجه سلاحة إلى صدور العراقيين. ليس شريفاً كل من يدافع عن إيران. ليس شريفاً كل من وقف ضد انتفاضة الشباب في تشرين. طوبى لكم أنتم وكل شهدائكم الأبطال. نحن جيل الحرب العراقية ضد جارة السوء إيران. نقف إجلالاً وإكباراً لشجاعتكم وأنتم تتحدون الموت، لقد صنعتم ثورة ستكون علامة فارقة في تاريخ العراق، فليس من مأمن بعد هذا التأريخ لكل الخونة والعملاء في بلاد الرافدين.
انتفاضة الشباب.. إلى أين
أفرزت انتفاضة الشباب في العراق عدداً من الحقائق. منذ غزو العراق في 2003 كرست القيادات الدينية والسياسية الحاكمة تصوير شباب هذا الجيل على أنه جيل فاقد للوعي يتصف بالميوعة والاستهتار ويقاد كقطيع يتم توجيهه كما يريدون منه. جيل مدمن على المخدرات المجلوبة من إيران، ومدمن على البكائيات واللطم والغيبيات، وكان هذا هدفهم الذي تصوروا أنهم حققوه من خلال تدمير قطاع التعليم واستبداله بالخطاب الديني الضحل والقائم على الروزخونيات والجهل في عملية غسيل منظمة لعقول شباب هذا الجيل لتدمير حسهم الوطني والشعور بالانتماء، وكل هذا بهدف نهب ثروات البلاد.
تبين أن هذا الجيل، جيل "الفيس بوك"، هو جيل لم يستطع أحد أن يفك شفرته أو يفهم معدنه أو تفكيره. تبين لنا اليوم معدنه الأصيل. أبطال من نوع فريد لم نعلمهم أو نفهمهم من قبل، وخلال سنوات طوال، ولا نستطيع مقارنتهم بشعوب أخرى، ليسوا كالشعب التونسي أو اليمني أو السوري الذي خرج في خضم ثورات ما سمي بالربيع العربي، وهو ليس كالشعب المصري الذي خرج في ثورتين عظيمتين يطلب التغيير، وهو ليس أيضاً كانتفاضة الشعب السوداني منذ بضعة شهور.
هم متفردون في انتفاضتهم لأن الخطر أكبر وأعمق من أي مخاوف تخطر لنا على بال، فليس هناك جيش وطني ظهير يحمي ظهورهم كما كان وما يزال عليه الحال في مصر وتونس والسودان. لقد كرس المستعمر الإيراني جهده على تدمير وحل الجيش الوطني العراقي وملاحقة قادته بمساعدة الغازي الأمريكي.
لم يبقَ جيش قادر على أن يذود عنهم بطش المليشيات والأحزاب الدينية التابعة لإيران بعد أن تم دمج ميليشيات الحشد الشعبي المختلفة بالجيش النظامي لتكون عموده وعماده الرئيسي.
كما هو واضح، فإن الانتفاضة لم ترفع شعارات طائفية، وكان شعارها لا شيعية ولا سنية بل عراقية وطنية طلباً للعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد. انتفاضة صريحة ضد الحكم الشيعي التابع لإيران. الانتفاضة لا يوجد لها ظهير سياسي ولا دعم إقليمي أو دولي مادياً كان أم معنوياً. إنهم يتظاهرون لوحدهم والعالم كله يتفرج على مأساتهم "ويعبر عن قلق كبير".
كان لدى المستعمر الإيراني اتهام تقليدي جاهز دوماً، وكأنها اسطوانة مشروخة يرددونها كالببغاوات. إنكم بعثيون، وهو دليل على تفاهتهم، فالكل يعلم أنه لم يعد هناك بعث ولا بعثيون ولا هم يحزنون على أرض الواقع المر، لا في العراق ولا في سوريا ولا في أي زقاق من أزقة الجغرافيا والتاريخ، فمن بفي على قيد الحياة من قيادات البعث هو اليوم جاوز السبعين أو الثمانين، وأصبحوا هياكل تمشي على الأرض "لا تهش ولا تنش" ولا تخيف حتى الزرازير، وحتى كوادرهم اليوم جلهم من المتقاعدين، ولم نرَ أي مظهر من مظاهر وجودهم على الأرض منذ الغزو عام 2003 في أي من المحافظات. لا يملكون سوى بيانات يسلّون بها أنفسهم. لقد بات البعث فزاعة مهترئة بالية لا تنطلي على أي عاقل أو مجنون، ولكنهم لحماقتهم مصرون عليها لأنها كل ما يمتلكون.
يا شباب تشرين الطاهر. نظموا أفكاركم وأهدافكم فهذا هو سلاحكم الوحيد للقضاء على البراغيث التي تمتص دماءكم. المجتمع الدولي وحقوق الإنسان وكل أشكال المعارضة في الخارج لن تستطيع أن تفعل لكم شيئاً بقدر ما تمتلكوه أنتم وحدكم من قدرة وشجاعة وتضحية وتصميم.
أكررها لكم: العالم سيترككم لوحدكم، وينام قلقاً.. ليس إلّا.. ليس أمامكم سوى الحكمة والعقل لأن عدوكم لا يمتلك منهما شيئاً. لا يمتلك سوى الإجرام كحل أوحد ليس له بديل. حاربوهم بعقولكم وبإرادتكم وابحثوا عن مواطن الضعف فيهم والتي توجعهم وتصيبهم بمقتل وتنهي وجودهم. اجعلوا تجارتهم تبور. قاطعوا كل أشكال الانتخابات ودعوهم وحدهم في فلكهم وإنائهم العفن يدورون، وهذه ستكون بداية نهايتهم وزوال عهدهم الأسود، وستكون الرصاصة التي سوف تخترق قلب النظام. نظامهم الفاسد. قاطعوا كل رجال الدين والعمائم والمرجعيات سنية كانت أم شيعية. قاطعوا ندواتهم ومجالسهم ولا تصلوا الجمعة من خلفهم ولا تتابعوا ولا تحضروا خطبهم، فأنتم تعلمون جيداً من هم المنافقون والدجالون واللصوص من أصحاب تلكم العمائم العفنة.
لا تهتفوا ولا تصفقوا لأي واحد من الطبقة الحاكمة، سواء كانوا من المرجعيات أو من رجال الدين أو من الأحزاب دينية أو مدنية. لا تحضروا مؤتمراتهم ولا تنافقوهم. دعوهم وحدهم وعاملوهم كالمنبوذين هم وحاشيتهم والقلة القليلة من أتباعهم من المنافقين والوصوليين واللصوص. عزلوهم كما كان أجدادكم العرب يعزلون البعير الأجرب المعبد بالقار( يدهنونه بالگير) ويتم عزله بعيداً لكي لا ينتشر المرض لباقي القطيع (وأفردت إفراد البعير المعبد) معلقة طرفة بن العبد.
قاطعوا وافضحوا كل من يوادهم ويتواصل معهم وعاملوهم بكل احتقار، لأن هؤلاء الأوغاد أسوأ منهم وأشرّ. قاطعوا واحجبوا كل قنواتهم الفضائية الطائفية التي تنشر الجهل والفتنة لتحمي الفاسدين. قاطعوا كافة المنتجات الإيرانية المستوردة. قاطعوا وحاربوا المخدرات، وبهذا سوف تنتهي تجارتها الآتية من إيران وكافة مزارعها الموجودة في المحافظات.
ليس شريفاً من يمد يده ويصافح واحداً منهم أو من مواليهم الذين بؤيدونهم. ليس شريفاً من من يحضر مجالسهم أو مؤتمراتهم أو يصلي خلفهم. ليس شريفاً من يتفرج على قنواتهم الفضائية. ليس شريفاً كل من يخرج من بيته ليشارك في انتخاباتهم المزورة. ليس شريفا كل مسؤول عربي يأتي إليهم أو يدعوهم، لأن الذي يضع يده ويسلم على واحد منهم يعلم جيداً بأنه يصافح قاتلاً وسارقاً وخائناً وعميلاً، فأيديهم ملوثة بدماء كل العراقيين، شيعة وسنة، مسلمين ومسيحيين، عرباً وكورداً، لا يفرقون بين أحد، فكل العراقيين هم أعداء لهم دون تمييز. ملعون إلى يوم الدين ولا يمتلك ذرة من الغيرة أو الكرامة أو الشرف كل من يشتري بضاعة أو سلعة إيرانية، أو كل من يتعامل مع تاجر إيراني.
لقد أظهرت انتفاضتكم أيها الأبطال أنكم واعون ومدركون لكل المخاطر التي تحاك ضدكم منذ 2003، وأنكم تحملتم الأهوال حتى طفح الكيل وبلغ السيل الزبى، وحتى بلغت القلوب الحناجر. اعلموا جيداً أنهم ومن بعد هذا اليوم المجيد معزولون ومحاصرون ومكروهون، فنتانتهم باتت تزكم الأنوف بسبب جرائمهم. اليوم أيها الأبطال أنتم ورغم تجاهل العالم لكم وثّقتُم جرائمهم بالصورة والصوت والآلاف من الأفلام المصورة، والتي هي أدلة دامغة على جرائمهم التي لم يسلم منها حتى الأطفال والشيوخ. إنها أدلة تدينهم حين يأتي يوم الحساب، وهو آت ولا ريب قريب بإذن الله. يوم تسحلونهم في الشوراع وتعلقون جيفهم على المشانق وأعمدة النور تنفيذاً لحكم الشعب وإرادة الجماهير.
حاصروهم فكرياً واجتماعياً وسياسياً واقتصادياً وإعلامياً، وسترون بأم أعينكم كيف سيسقطون. لقد وجهتم للعالم رسالة مؤداها أنها ليست ثورة جياع أيها الحمقى، وأن ثروات العراق ليست غنائم تتقاسمونها بينكم، فأنتم ثلة من الرعاع والسوقة والجبناء.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له أي علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.



