تتألف كل دولة أو نظام حكم، كمظهر خارجي وعلامة على الإرادة الوطنية، من السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، ومنذ العصر اليوناني القديم، بحث العلماء والفلاسفة باستمرار عن أفضل طريقة للحكم في سبيل إسعاد الناس والمجتمع. في الأخير، وفي القرن الثامن عشر، صاغ العالم والمفكر الفرنسي مونتسكيو هذه الفكرة في كتابه روح القوانين وفي إطار (الفصل بين السلطات) لتصبح أساساً لأنظمة الحكم في العصر الحديث.
هذا المفهوم يجعل السلطات تحفظ استقلاليتها في العمل والمهام ويخلق نوعاً من التعاون بينها. لكن في نفس الوقت، يجب أن يكون نظام الحكم بصورة تمنع أي سلطة من الاستحواذ الكامل على جميع مفاصل الحكم ثم ظهور الفردية. لذا يجب أن تعمل كل سلطة على تحديد السلطة الأخرى، أي أن كل واحدة تسيطر على الأخرى، وهو ما يعرف بمبدأ الرقابة والتوازن. يقول مونسكيو: "لمنع الاستفادة غير اللائقة من السلطة، يجب تنظيم مؤسسات الدولة بطريقة تحدد فيها كل سلطة السلطة الأخرى".
ومن بين المشاكل التي تعيق نظام حكم متوازن متجاوب في دول الشرق الأوسط، ومن بينها إقليم كوردستان، سيطرة ونفوذ السلطة التنفيذية على السلطتين الأخريين، وهذا ما أعاق قيام السلطة التشريعية بمهامها كسلطة أولى تمثل الشعب وتراقب أداء السلطة التنفيذية. في نفس الوقت، ربما لا تستطيع السلطة التنفيذية، التي ترتبط بالحياة اليومية للمواطنين وواجبها هو تقديم الخدمات لهم، تقديم هذه الخدمات كما يجب. لهذا تدخل في خلاف مع المواطنين ما سيؤدي إلى سخط شعبي على مجمل نظام الحكم. من جانب آخر، ربما تدخل السلطة التنفيذية بحكم ما لها من نفوذ كبير في نوع من التطاول وتتجاوز صلاحياتها. في ظل ظروف كهذه، يجب أن تكون هناك سلطة تمنع حصول هذا الانفراد وتستطيع مساءلة تلك السلطة، وبموجب مبدأ الفصل بين السلطات، تقع هذه المهمة على عاتق البرلمان وكجزء من واجباتها اللاتشريعية.
لا شك أن الوضع الخاص للدول التي مازالت في المرحلة الانتقالية، أي المرحلة التي تسبق المرحلة الحديثة، وتمضي باتجاه المرحلة الحديثة، يؤثر على مسيرة العمل البرلماني وسائر مؤسسات الحكم الخاصة بالعالم الحديث. بنيت الديمقراطية والتجربة البرلمانية في الأساس على مبدأ حق المواطنة. البرلمان في الدول الليبرالية الغربية هو محرك الديمقراطية وممثل حكم الشعب، وتقوم دول أخرى بمحاكاة هذا النظام بغية تحقيق الديمقراطية ولإبراز التمثيل الشعبي، لكنها تفتقر إلى الخلفية الثقافية - السياسية للتجربة البرلمانية الغربية.
عانى برلمان كوردستان منذ تشكيله وإلى اليوم، من العديد من المشاكل، فقد أغلق أبوابه خلال فترة الاقتتال الداخلي بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني بسبب الصراع السياسي – العسكري بين هذين الحزبين، حيث لم تعد هذه المؤسسة قادرة على التزام الحياد، واستأنف نشاطه بعد العام 1996، وامتدت الدورة البرلمانية الأولى بصورة استثنائية طوال الفترة 1992-2005. ثم شهدت الدورتان الثانية والثالثة تمديدات، لكن بفضل المصالحة بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني، وانفتاح المجتمع، وسقوط نظام البعث وغير ذلك من العوامل، شهد البرلمان المزيد من النشاط. لكن في الدورة الرابعة، ونتيجة احتدام التنافس بين الأحزاب السياسية الكوردستانية، خاصة بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني وحركة التغيير، أصبح البرلمان جزءاً من تلك المنافسة ثم أمسى ضحية وأصابه الشلل ليتم تفعيله في الأيام الأخيرة من تلك الدورة.
يمكن أن نلخص المعوقات التي تعيق عمل برلمان كوردستان في الآتي:
- نفوذ السلطة التنفيذية والأحزاب السياسية في البرلمان.
- الخبرة القليلة في العمل البرلماني في كوردستان.
- الصراع الشعبوي بين الأحزاب السياسية والتزام البرلمانيين بالمصالح الحزبية وليس المصالح الوطنية وانعكاس ذلك على العمل البرلماني.
- الصراعات الاجتماعية – السياسية الخاصة بالمجتمعات التي تمر بالمرحلة الانتقالية.
- غياب أصحاب السلطة من الأطراف السياسية عن البرلمان.
- افتقار البرلمانيين إلى الإمكانيات اللازمة وضعف الثقافة الديمقراطية.
ما يهدد النظام السياسي في كوردستان في ظل الظروف الحالية هو غياب التوازن بين السلطات، وخاصة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، بحيث أن السلطة التنفيذية مسيطرة على السلطتين التشريعية والتنفيذية، وإن لم يستطع البرلمان القيام بمهمة مراقبة الحكومة وعجز عن تقييد السلطة التنفيذية فسيظهر خلل في النظام السياسي لن تكون نتيجته في صالح العملية الديمقراطية والمواطنين، لأن البرلمان يعد من الناحية البروتوكولية أعلى سلطة ورمزاً لتمثيل الشعب ومسؤولاً عن مراقبة السلطة التنفيذية، فإن فشل في تنفيذ هذا الواجب، سيختل النظام السياسي.
لهذا، ولكي يكون البرلمان سلطة فاعلة ولتحقيق تصحيح النظام السياسي والالتزام بمبدأ (الرقابة والتوازن) من المستحسن لبرلمان كوردستان في دورته الخامسة، وكجزء من واجباته غير التشريعية، أن يعمل بفاعلية على أداء مهمة مراقبة السلطة التنفيذية فيمنح العمل البرلماني قوة دفع، وهذا سيصب في النهاية في مصلحة مجمل النظام السياسي في كوردستان والمواطنين والعملية الديمقراطية في كوردستان، ولتحقيق هذا، من المستحسن أن تشعر الأطراف السياسية بأهمية تعزيز مؤسسات الدولة وأن لا تتخذ من البرلمان منصة للتنافس الحزبي، بل تحيله إلى وسيلة لتقديم مزيد من الخدمات للمواطنين ولترسيخ مبدأ سيادة القانون وفصل السلطات وتقوية مؤسسات الحكم في كوردستان.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له أي علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.


