بعد حربين عالميتين والكثير من الوعود الدولية التي اطلقت للكورد واهمال كل ماتم الاعلان عنه في المواثيق والعهود الانسانية التي سبقت وتلت تأسيس عصبة الامم والأمم المتحدة وضياع آخر فرص للإستقلال بعد اسقاط جمهورية كوردستان في مهاباد، اتفقت الاطراف الكوردية في اجزاء كوردستان الاربعة في نهاية العقد الرابع من القرن العشرين على استمرار النضال القومي والوطني الكوردي على حسب خصوصية وطبيعة الدولة التي الحق بها اي جزء من كوردستان.
وبعد هذا التاريخ، مرت كل اجزاء كوردستان بالعديد من المراحل النضالية ان كانت مدنية او مسلحة في اطار ثورات نظامية منضبطة او ردود افعال على تصرفات الحكومات التي كانت وماتزال تقمع هذا الشعب وتقف ضد تطلعاته ولاتفسح المجال حتى ليشعر الكوردي بأنه جزء من هذه الدولة، او على شكل عمليات عسكرية غير منتظمة، وعلى هذا الاساس جاء تأسيس حزب العمال الكوردستاني بزعامة عبدالله اوجلان في كوردستان تركيا ليقود النضال السياسي والعسكري المسلح في هذا الجزء من كوردستان.
حمل هذا الحزب في بداياته شعارات تتعلق بكوردستان واحدة مستقلة تحكمها قيادة واحدة يكون مركزها كوردستان تركيا وتكون ثقل القيادة السياسية والعسكرية فيها، لذلك اسس هذا الحزب العديد من الاحزاب والفروع التابعة له في كوردستان ايران وسوريا والعراق وبدأ يبحث عن نفوذ سياسي وعسكري له في كل هذه المناطق، لكن هذا الشعار سرعان ماتغير الى الكونفدرالية العالمية، واعلان السيد اوجلان رئيسا لها على اساس يلغي القومية واي انتماء آخر على اسس كانت شبيهة بمباديء الاتحاد السوفييتي السابق، هذا المفهوم تطور شيئا فشيئا الى مصطلح اخوة الشعوب والذي ينادي به العمال الكوردستاني اليوم في غياب زعميه المعتقل في تركيا.
وفي الآونة الاخيرة، تداولت وسائل الاعلام تصريحات عن (آبو – APO العم او الاخ الاكبر، المصطلح الذي يطلق على السيد اوجلان)، ان شعب كوردستان لايريد دولة مستقلة وان الخلاف بين الكورد وتركيا من الممكن ان يكون حله سهلا ولن يأخذ من الوقت اكثر من اسبوع وهو بحاجة الى دعم معنوي ليلعب هذا الدور وينهي هذا الصراع الازلي الذي حصد ارواح الالاف من الشباب الكورد التواقين للحرية والاستقلال، في تغيير نوعي بنهج حزب العمال على الرغم من ان السيد اوجلان واثناء اعتقاله وجلسات المحاكمة بأنه لايحبذ استمرار العداء مع تركيا وانه يحب الشعب التركي ولايمكن ان يستمر الوضع على ماهو عليه،كلام لم يأخذه القضاء التركي ولا الرأي العام التركي بعين الاعتبار متهمين حزب العمال بـ(الارهاب)، في حين ان التصرفات التي شهدها الكورد في تركيا من قبل جنود الجيش التركي منذ ستينيات القرن الماضي وحتى نهاية الثمانينيات والتباهي بنشر صور الرؤوس الكوردية المقطوعة من قبلهم، كانت سببا في الاحداث التي حصلت في تلك الفترة.
وبالعودة للكلام المنشور على لسان السيد اوجلان، فأن كان (آبو) يقصد في كلامه ان الكورد في كوردستان تركيا لايريدون دولة مستقلة، فهذا امر لايمكن لأي كان التدخل فيه لان حزبه تأسس على اساس الدفاع عن حقوق الكورد في ذلك الجزء من كوردستان بالدرجة الاساس، ومن الممكن ان يؤخذ كلامه كمجرد رأي او وجهة نظر سياسية، ليبقى الامر اولا واخيرا بيد شعب كوردستان في تركيا والذي يريد حل مشاكله مع الحكومة التركية وانهاء عقود من الصراع بالتفاهم والجلوس على طاولة الحوار، بعدم تناسي او تجاهل الهدوء النسبي الذي شهدته المناطق الكوردية في تركيا بعد تولي حزب العدالة والتنمية مقاليد الحكم منذ فترة عبدالله غول مرورا باردوغان ثم داوود اوغلو وصولا الى اردوغان وبن علي يلدرم وحتى الغاء منصب رئيس الوزراء بعد التعديل الدستوري الاخير (وان كانت بطيئة وشكلية في بعض الاحيان).
اما ان كان المقصود من هذا الكلام، الحديث بالنيابة عن شعب كوردستان بالكامل، فهنا لابد لنا من وقفة توضيحية لشرح الوضع العام في اجزاء كوردستان الاربعة وتبيان من يحق له ومن لايحق له الحديث بالنيابة عن شعب تجاوز عدده الاربعين مليون نسمة ان لم يكن اكثر، ولنبدأ بكوردستان العراق.
ومن منا لايتذكر استفتاء الخامس والعشرين من سبتمبر – ايلول لعام 2017 ، والذي عبر فيه شعب كوردستان وبكل صراحة وبطريقة ديمقراطية ومدنية عن رغبته في الاستقلال، وعلى الرغم من كل الصعوبات والتهديدات الصريحة التي واجهها هذا الشعب من بغداد والدول الاقليمية، الا ان هذا الشعب احتفظ بحقه في تقرير مصيره في اي وقت يراه مناسبا، اي ان تقرير مصير هذا الجزء من كوردستان صدر رسميا من هذا الشعب في اطار وثيقة لايمكن لاي كان ان يلغيها.
اما حول كوردستان ايران حيث لحزب العمال الكوردستاني ايضا نفوذ هناك عن طريق حزب الحياة (بيجاك) ، فمازالت الجبهة الكوردية غير موحدة في ذلك الجزء مع استمرار النظام الايراني الحالي ووجود مئات من حالات الاعدام التي تطال شباب الكورد دون اي سبب يذكر وهي بحاجة الى رسم سياسة واستراتيجية سياسية بعيدة المدى تحسبا لأي تغيير طاريء، وهنا ايضا سيكون للشعب كلمة الفصل حول مستقبله ان اراد البقاء في اطار الدولة الايرانية ام لا ولايحق لأي طرف سياسي مهما كان نفوذه ان يتدخل حول هذا الموضوع.
وفي سوريا، الاوضاع تزداد سوءا يوم بعد يوم، في ظل عدم وجود قاعدة سياسية كوردية موحدة والتنازع بين الاطراف السياسية المتواجدة في هذه المنطقة، واصبح هذا الوضع اساسا مهما للبعض للتهجم على التجربة الكوردية في غرب كوردستان والتطاول عليها وتشويه الكثير من الحقائق فيها من جهة، واستغلال وجود اطراف اخرى كوردية ذات رؤيا واجندة ضبابية للتقارب منها وتفضيلها على بقية الاطراف الكوردية الاخرى وتفضيلها عليهم، وهذا بحد ذاته يشكل اكبر خطر على المستقبل الكوردي في هذه المنطقة ويسلب الشعب حقه في تقرير وتحديد مصيره، امر لايحق لغيره (اي الشعب) ان يبت فيه ويقرره.
إن موضوع الاستقلال وتشكيل دولة او دول كوردستانية او الوقوف ضد هذا الامر، لايمكن ان يأتي بقرار انفرادي من شخص او حزب او حتى جبهة وتجمع سياسي،ولايمكن للحديث حول هذا الموضوع ان يحسب كأكثر من وجهة نظر يمكن ان تؤمن به جماعة وتعارضه اخرى، كما حصل في استفتاء كوردستان العراق حيث لم تستطع الحركة التي وقفت ضد هذا المشروع ان تغير من موقف الاغلبية الساحقة لشعب كوردستان.
ولاضير في وجود دبلوماسية حكيمة تغني عن عشرات السنين من الحروب والصراعات لحل القضية القومية والوطنية في كل اجزاء كوردستان، الا ان هذه الدبلوماسية لايمكن ان تكون على حساب القضية بصهر ومحو التواجد الكوردي.
وإن كان قادة حزب العمال الكوردستاني باجيالهم السابقة والحالية والاحزاب المتفرعة منها يريدون فرض صيغة معينة على جزء من كوردستان او بقية الاجزاء، فليعلموا جيدا ان هذا الامر لن يكتب له النجاح ابدا وخصوصا بوجود تخبطات في العمل السياسي وانعدام الرؤية البعيدة للمستقبل السياسي للقضية القومية والوطنية الكوردية لديهم ويجب ان يعلموا جيدا ان مستقبل كوردستان، هو مايحدده الكوردستانيون انفسهم، ومايريده هذا الشعب مرهون بقراره اولا، والظروف الذاتية والموضوعية التي تتحكم بهذا الموضوع، لابقرار وتصريح يراد به تبيان حسن نية او دبلوماسية في الوقت الخطأ.
ولكن، ان كان الحل كما قيل، بهذه السهولة، فلابد ان نفكر بصوت عال ونسأل: لماذا لم تكن هذه السهولة موجودة في عقود حصدت ارواح الآلاف من الشباب الذين ضحوا بأنفسهم في سبيل قضية وشعارات شهدت كل هذه التخبطات؟ وان كانت المبررات موجودة للرد على ماسألناه قبل قليل، وان توفرت هذه السهولة فعلا في حل يرضي شعب كوردستان، فالتنصل عنه من اي طرف كان بحد ذاته..جريمة.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له أي علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.


.jpg&w=3840&q=75)
.jpg&w=3840&q=75)