يستذكر الكوردستانيون ، في السادس عشر من آب – اغسطس، الذكرى الثالثة والسبعين لتأسيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني، الحزب الذي قاد ومازال يقود الحركة النضالية القومية والوطنية الكوردية ويعتبر اساسا ونواة لجميع الاحزاب الكوردستانية التي تأسست بعد هذا التاريخ وتحديدا بعد نكسة ثورة ايلول على اثر اتفاقية الجزائر في عام 1975 .
ومن الممكن ان يتساءل البعض على المستوى السياسي في العراق وكوردستان والمنطقة، وحتى على المستوى الشعبي والجماهيري، لماذا يكون الحزب الديمقراطي الكوردستاني في الواجهة دوما في أي تطور سياسي في كوردستان؟ ولماذا تطاله الانتقادات لأية صغيرة او كبيرة تحصل في الاقليم او في أي جزء من كوردستان؟ ولماذا يكون التقارب والتهجم بالدرجة الاساس على هذا الحزب؟ ولم تختار كل الاطراف (البارتي) في اية مبادرة للحوار وحل اية مشكلة تتعلق بالقضية الكوردية؟
السؤال ليس محيراً، لكنه يحتاج الى الكثير من التدقيق والقراءة الصحيحة لتحديد الاجابة وتبيان أهم النقاط التي ترشد السائل للوصول الى النتيجة التي ستوضح له كل هذه الامور.
لم يكن الحزب الديمقراطي أول الاحزاب في كوردستان او العراق، كثير من الاحزاب سبقته في عشرينيات وثلاثينيات وحتى اربعينيات القرن الماضي، لكن مؤسسي الديمقراطي كانوا اول الدعاة الى توحيد الصف الكوردي والكوردستاني والخروج من الاطار العشائري والمناطقي الضيق التي اتسمت به الثورات الكوردية قبل تأسيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني، بدليل ثورات بارزان الاولى والثانية والتي قادها الشيخ احمد بارزاني والملا مصطفى بارزاني واجبرت النظام الملكي على التفاوض معهم اكثر من مرة لكسب الوقت ولتعيد سيناريو قصف واحتلال المدن والقرى مرة اخرى (وهذا السيناريو مازال قائما حتى الان).
آخر اقوى الاحزاب الكوردية التي سبقت الديمقراطي كان حزب (هيوا) الذي انتهى به المطاف للأنشقاق مابين معسكرين احدهما قومي والاخر اشتراكي؛ لينتهي هذا الحزب وتبقى الحركة التحررية الكوردية مشتتة لاقيادة لها، وجاء تأسيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني في السادس عشر بقيادة الزعيم الراحل مصطفى بارزاني كضرورة حتمية لسد هذا الفراغ .
فكر البارزاني الذي شارك مع شقيقه الشيخ احمد في العديد من الثورات في جميع اجزاء كوردستان، بطريقة سياسية براغماتية في توحيد هذا النضال في اطار هذا الحزب الذي قاد الحركة سياسيا وعسكريا، حيث شارك في تأسيس جمهورية كوردستان بمهاباد وبعد اسقاط هذه الجمهورية استمر في قيادة الحزب على مبدأ وأساس وحدة الكلمة والصف السياسي بعد مقررات مؤتمر باكو لعام 1948 والذي قررت فيه الاحزاب الكوردية في اجزاء كوردستان الاربعة باستمرار النضال القومي والوطني الكوردي لكل جزء حسب طبيعة وخصوصية الدولة التي الحق بها هذا الجزء من كوردستان، وكان لهذا القرار اثرا ايجابيا لقوة وتماسك الحزب الديمقراطي دون ان يمنع غياب الرئيس عائقا لتماسك هذا الحزب.
وحول التماسك القوي بين صفوف الديمقراطي، يذكر بافيل سودوبلاتوف الجنرال في مخابرات الاتحاد السوفييتي السابق وبكل تعجب، انه كان يسمع نفس صيغة الكلام وذات الاهداف تتردد على لسان كل افراد البيشمركة الذين رافقوا البارزاني الى الاتحاد السوفييتي على الرغم من انعدام وسائل الاتصال بينهم في فترة لم تكن فيها التكنلوجيا بهذا التطور الذي نراه اليوم.
جمع الديمقراطي في صفوفه كل من دافع عن القضية الكوردية والحقوق القومية والوطنية لشعب كوردستان، بغض النظر عن افكاره ان كانت قومية او يسارية،ولابد لمن يقرأ المشهد الكوردستاني ان يسأل : هل من تنظير للفكر القومي للشعب الكوردي او كيف تعامل الحزب الديمقراطي الذي حمل افكارا قومية، مع وضع سياسي وفكري سيطرت عليه اليسارية بوجود صحوة قومية لمكونات اخرى غير كوردية في المنطقة؟
من مميزات هذا الحزب أنه بدأ حياته السياسية تحت مسمى الحزب الديمقراطي الكوردي، وفي مؤتمره الثالث، تغير هذا الاسم الى الحزب الديمقراطي الكوردستاني ليضم الى صفوفه افرادا من قوميات اخرى تتعايش جنبا الى جنب مع الكورد، كما تبنى في برنامجه السياسي المباديء الماركسية، ولم يهمل مباديء وتعاليم الدين الاسلامي وضم في الوقت ذاته مناضلين من المسيحيين والايزيديين ومن مختلف الاديان في كوردستان، ومن هنا تتوضح الصورة بأن التنظير الصحيح لسياسة البارتي كان انسانيا بالدرجة الاولى وشمل كل ما لهذا التعريف من معنى، اي ان السياسة العامة للحزب لم تنجرف الى التعريف الهتلري، ولا لديكتاتورية طبقة مجتمعية على اخرى.
يحسب للبارتي قيادته لاولى الثورات الوطنية وهي ثورة ايلول في عام 1961، حيث بلغ امتدادها من زاخو وحتى خانقين، وماميز هذه الثورة ان شباب كركوك حاربوا وقاتلوا في آكري وشباب من اربيل تولوا مسؤوليات في بادينان وكرميان، اي ان البارتي استطاع ان يخرج القضية الكوردية من محيطها الضيق وباتت هذه القضية معروفة على المستويات العربية والعالمية، وسيرى المتابع للارشيف الصحفي العربي والغربي كيف كانت الصحف والمجلات تتابع اخر تطورات الثورة (ايجابا وسلبا).
البارتي كان دوما سباقا للحوار والمفاوضات، حيث بادر بها بعد سقوط الملكية وعاد البارزاني ورفاقه من الاتحاد السوفييتي وبدأ فعلا بفتح صفحة جديدة مع النظام الجديد آنذاك، ولم يفقد الامل في اية ثانية من الحوار طيلة سنوات ثورة ايلول وفي مختلف المراحل، كان البارزاني يؤيد دوما خيار الحوار وهذا ماتجلى فعلا في موافقته على بيان التاسع والعشرين من حزيران لعام 1966 على الرغم من هشاشته، وتوقيع اتفاقية الحادي عشر من آذار لعام 1970 .
ويعتبر الحزب الديمقراطي من أقل الاحزاب التي حصلت فيها انشقاقات، حدثت ومازالت تحدث في الكثير من الاحزاب السياسية الكوردية، وأن كان هناك من خرج من صفوف الحزب ليشكلوا احزابا اخرى لم تعادي نهج الديمقراطي، لكن اقسى ظرف مر به الحزب كان في فترة انشقاق عام 1964 اي في فترة حساسة جدا من عمر ثورة ايلول، لكن قيادة الحزب تداركت هذا الموقف باقصى سرعة واستطاعت ان تخرج من هذه الازمة على الرغم من الضغوط التي مارستها الحكومات العراقية السابقة في تلك الفترة ابان حكم القوميين والبعثيين على الحزب ومحاولاتهم المستميتة للقضاء نهائيا على البارتي باستغلال الخلافات الكوردية الكوردية وتشكيل جبهات للوقوف بوجه كل ماتطالب به الحركة التحررية في كوردستان، لكن هذه الجبهات كانت دوما ضعيفة ومتهالكة ولم تكن الا فقاعة اعلامية لم تستطع ايقاف مسيرة الديمقراطي.
ولا يمكن لكل من يتابع تاريخ الحركة التحررية في كوردستان، ان يتناسى نكسة عام 1975 لما خلفتها من تأثيرات سلبية على معنويات الفرد الكوردستاني، لكن البارتي لم يتوقف مكتوف الايدي في ذلك الحين، حيث سارعت قيادة الحزب الى لملمة الصف السياسي والعسكري بعقد مؤتمر موسع تمخض عنه تقرير شامل تضمن العديد من الانتقادات والملاحظات الصريحة التي كانت اساسا لتشخيص النقاط السلبية ومعالجتها والخروج بقيادة مؤقتة اعادت الامل الى شعب كوردستان من جديد على اثر انطلاق ثورة كولان في عام 1976 والتي اجبرت الحكومة العراقية على اعادة حساباتها من جديد واوصلتها لنتيجة مفادها أن البارتي مازال في صدارة النضال القومي والوطني الكوردي.
وبعد وفاة البارزاني الخالد، توقع الكثيرون بأن يمر الحزب بأزمات معقدة ستكون سببا في تشتته وانتهائه تماما، بل راهن الكثيرون على هذا الامر، لكن الحزب لم يسمح بوجود اي فراغ قيادي ان كان سياسيا او عسكريا لينتخب الرئيس مسعود بارزاني رئيسا للحزب ولتبدأ مرحلة جديدة في مسيرة البارتي والتي حققت الكثير من المكتسبات التي نعيشها اليوم.
لم يتخذ البارتي موقف السكوت تجاه الجرائم التي ارتكبت بحق شعب كوردستان وسارع دوما في ايصال مظلومية شعب كوردستان لعموم دول العالم وكان سباقا في فتح قنوات دبلوماسية قدمت خدمة كبيرة لشعب كوردستان وقضيته العادلة، حيث كان لوجود ممثليات له في دول عربية واوروبية وحتى في الولايات المتحدة الامريكية منذ ستينيات القرن الماضي، اثرا كبيرا في تعريف العالم على ما اصاب شعب كوردستان من ويلات ومآس مازال العالم يغض النظر عنها على الرغم من يقينهم بأن ماحصل لايندرج تحت اي مبدأ ديني او قانوني او اخلاقي .
كان الديمقراطي اول المبادرين لحل الخلافات الكوردية الكوردية، وعن طريق الشهيد ادريس بارزاني والذي وضع اولى اسس تأسيس الجبهة الكوردستانية في ثمانينيات القرن الماضي، هذه الجبهة التي ترأسها الرئيس مسعود بارزاني قادت انتفاضة آذار التي اسست لتجربة الحكم في كوردستان، حيث استمرت على الرغم من الكثير من المشاكل الداخلية والضغوطات المستمرة على المستوى العراقي والاقليمي والدولي.
البارتي ، والذي اقترح مبدأ الديمقراطية للعراق في عام 1959 ، عاد في عام 2003 ليجدد التمسك بهذا المبدأ على اساس الفدرالية والاتحاد الاختياري، هذا المبدأ الذي لم يتفهمه الجانب الاخر حيث استمر ببذل كل محاولاته المستميتة للنيل من تجربة الحكم الناجحة في كوردستان سياسيا واقتصاديا وعسكريا، لكن كل الاطراف التي كانت ومازالت تطلق تصريحاتها اللاذعة ضد البارتي، تختار هذا الحزب كأول محطة حوار وتفاوض حول اية مسألة تخص الشأن العراقي، لأنها تعلم جيدا مدى ثبات المبدأ السياسي الذي يتمتع به.
وبتحد واصرار، وشجاعة وصفت بالمغامرة، كون الحزب الديمقراطي الكوردستاني اجماعا وطنيا وقوميا على مستوى الاقليم قاد عملية استفتاء استقلال كوردستان، متحديا بذلك كل التهديدات والتحذيرات المباشرة وغير المباشرة التي اطلقتها بغداد وغيرها من الدول والقوى السياسية الاخرى، ليثبت للعالم اجمع بأن خيار الاستقلال سيكون هو الرابح دوما في ظل حكومات عراقية لم تزرع روح الانتماء لدى المواطن الكوردستاني. وعلى اثر ماحصل في السادس عشر من اكتوبر، كان الجميع بانتظار اعلان انتهاء الحزب الديمقراطي سياسيا وعسكريا، لكن حكمة الحزب السياسية والعسكرية والتي وازنت المعادلة واعادت العلاقات السياسية بين الاقليم ودول العالم، وكانت نتائج انتخابات مجلس النواب العراقي وبرلمان كوردستان اكبر دليل بأن البارتي كان على حق وصواب في نهجه السياسي والدبلوماسي.
ان كل المحطات التاريخية التي ذكرت ضمن هذا المقال الذي لخص اكثر من سبعة عقود من حياة هذا الحزب بكل مراحله، تقودنا لأجابة وافية وصريحة لما طرحناه في البداية، لماذا البارتي؟ ليكون الجواب كالتالي: ان الثبات على المباديء، وانتهاز اية فرصة للحوار والتفاوض، والدفاع المستميت عن المكتسبات وعدم السماح بالمساس بالمقدسات والثوابت الوطنية والقومية والسير بخطوات ثابتة ومدروسة، واستيعاب كل الفئات الفكرية في كوردستان وحتى من خارجها وتنظيره الصحيح للواقع الكوردستاني البعيد عن العنف والصراعات وانفتاحه على كل دول العالم، كان سببا مهما واساسيا في بقاء دعائم هذا الحزب ثابتة ليكون دوما في الواجهة واولى نقاط الحوار والتفاوض، وحتى الهجوم والانتقاد.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له أي علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.


.jpg&w=3840&q=75)
.jpg&w=3840&q=75)