يتذكر الكثيرون من ابناء الجيل السابق ، صوت ابرز مذيعي التلفزيون العراقي في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي الراحل مقداد مراد (والذي توفي في التسعينات ومازالت حادثة وفاته مثار شك لدى الكثيرين)، حينما صرخ بأعلى صوته معلنا انتهاء الحرب العراقية الايرانية وقراءته لآخر بيانات هذه الحرب، حيث سمي بـ(بيان البيانات)، في مثل هذا اليوم الثامن من آب لعام 1988 .
هذا البيان اراح نفسية آلاف من ذوي الجنود المشاركين في حرب لم يكن لها اي سبب او مبرر، لكنه ايضا عمق جراح الاف اخرى من ذوي ضحايا شهداء القصف الكيمياوي في حلبجة وحملات الانفال السيئة الصيت والتي شكل الجيش العراقي تحت مسماها جبهة اخرى لقمع شعب كوردستان.
في مثل هذا اليوم، كان اعتقاد نسبة كبيرة من المتابعين للشأن العراقي، بأن الطرفين الايراني والعراقي وضعا حدا لحروب وصراعات هذه المنطقة مع وجود نسبة كبيرة ايضا من الشك بأن رئيس النظام العراقي السابق لن ترتاح نفسيته الا بشن حرب اخرى او المبادرة لأعمال تخريبية اخرى او خلق ازمة جديدة للتخلص من الازمات التي وضع العراق فيها جراء حرب الثمانية اعوام، وللأسف، هذا ماحصل فعلا بغزوه للكويت بعد اقل من عامين على انتهاء حربه الاولى.
اطلق النظام السابق اسم (يوم النصر العظيم)، على هذا اليوم الذي شهد فيه العالم لحظة اعلام الامين العام الأسبق للامم المتحدة (بيريز ديكويلار) انتهاء العمليات العسكرية التي استمرت لثمانية اعوام، ليعلن الطرفان التزامهما الكامل بها ولتنطوي بذلك صفحة لأولى محطات صدام السياسية والعسكرية مع دولة جارة والتي لم تكن الاخيرة بالتأكيد، وبدأت ماكنته الاعلامية تطلق الاهازيج والاناشيد والاغاني التي تغنت بهذا الـ(نصر) وهزيمة النظام الايراني، وبدأ يدعو ملوك ورؤساء العرب والدول الاسلامية لحضور مهرجانات وفعاليات سياسية وعسكرية وحتى رياضية ليثبت للجميع بأن العراق واقف على (قدمين ثابتتين)، وقد ضحى بما ضحى به لحماية (البوابة الشرقية) للوطن العربي ومنع بذلك تمدد الايرانيين لـ(الجسد العربي) وتطبيق شعار (تصدير الثورة)، وبذلك برر صدام سبب اقتراضه لمليارات الدولارات التي اخذها من الدول العربية كدعم لترسانته العسكرية.
كان التنصل من تنفيذ اتفاقية الجزائر التي اشتراها مقابل نصف شط العرب كشرط لأيقاف الثورة الكوردية من اهم اسباب هذه الحرب، في تصرف اعتدنا عليه من الذين حكموا بغداد بالتعاون والتفاوض مع الخصم على حساب الشعب، الا ان اغلب التوقعات في بداية هذه الحرب كانت تشير الى انها ستحسم لصالح احد الطرفين في مدة لن تتجاوز العام، لكن مزاج صدام كان له رأي آخر، حيث يؤكد اغلب القياديين المنشقين عن حزب البعث بأن صدام كان يتعمد ادامة واطالة امد الحرب لتكون له سببا ومبررا في اخذ مايريد من اموال لتقوية موقفه عربيا وعالميا،بالإضافة الى محاولته الجادة للتقليل من نسبة السكان لعدم قدرة الحكومة على توفير فرص عمل للجنود الذين سيعودون من الحرب وعدم وجود اية نية لتعويض هذا الكم الهائل من ذوي الشهداء والجرحى ومن تضرروا جراء الحرب ان كانوا داخل الجبهات ام خارجها.
نجح نظام صدام في ايصال رسالته التي ارادها للجانب العربي والاسلامي، حيث حشد كل القوة الاعلامية للدولة في تعبئة هذين الجانبين بتحذيرات تتعلق بالاطماع الايرانية في العراق والوطن العربي والاسلامي (مستخدما بذلك استمالة عاطفية طائفية) مبنية على اساس حماية المذهب السني من اطماع الجمهورية الجديدة التي لم تكمل بعد عامها الثاني في ذلك الحين،حيث كان العراق يستضيف العشرات من علماء الدين من مختلف الدول الاسلامية ليهتفوا باسم النظام ورئيسه وليتقاضوا اموالا لم يكن للمواطن العراقي ان يحلم حتى بربعها، وهو المغلوب على أمره والمجبر على القتال والموت في سبيل بقاء هذا النظام.
كما فتحت هذه الحرب طريقا مهما للنظام العراقي لتطوير برنامجه النووي الذي كان للكورد النصيب الاكبر فيه، واعترف صدام ولأكثر من مرة بأن جيشه يمتلك صواريخ باستطاعتها ان تحمل رؤوسا نووية وكيمياوية وقد استخدمها بالفعل في العديد من المدن الايرانية وحتى في كوردستان، واشارت العديد من المصادر بأن المواد الكيمياوية والنووية التي اشتراها صدام من من شركات ورجال اعمال مازالوا يحاكمون حتى يومنا هذا، قد جربت اكثر من مرة على مراحل مختلفة وعلى اكثر من كائن حي ابتداءا من الذباب مرورا بالاسرى والمعتقلين السياسيين في سجونه السرية وصولا الى الاستخدام الحقيقي لها، محققا بذلك اكثر من هدف وضاربا اكثر من عصفور بحجر، حيث اوحى لخصومه بأن اساليبه باتت اقوى من التي شهدها الجميع بعد مؤتمر قاعد الخلد في تموز 1979 وانه اذا قال فعل، وهذا ماجعل كل دول العالم تتعامل معه على هذا الاساس، اساس الرعب والهلع منه ومن نظامه، لا لكونه شجاعا، بل لأيمانه المطلق بأن كل الوسائل متاحة ومبررة لتحقيق غاياته التي ستجعله يبقى على كرسي الحكم لاطول فترة ممكنة.
خلفت هذه الحرب بمجرد انتهائها ومن الجانب العراقي، اكثر من 340 ألف قتيل ومالايقل عن 700 الف جريج بالاضافة الى 400 الف لاجئ وأكثر من 70 ألف أسير حرب. اما خسائر الجانب الإيراني فقد بلغت أكثر من 730 ألف قتيل وأكثر من مليون جريح ومليوني لاجئ ونحو 45 ألف أسير حرب، وهذه الاحصائيات لم تترق الى 5 آلاف شهيد في حلبجة، و8 آلاف آخرين في حملات الانفال ببارزان و182 الف آخرين لنفس الحملات في مناطق مختلفة من كرميان، وآلاف من شباب الكورد الفيلية، مع عدم تناسي او تجاهل المعتقلات السرية في نقرة السلمان والرضوانية وابو غريب وسجون الامن في كل المحافظات والتي لم يكشف مصير الاف اخرى من الذين كانوا معتقلين فيها حتى الآن، فهل تدل هذه الارقام المذكورة على اي تعريف ولو كان بسيطا لمصطلحي (النصر،والعظيم)؟
لم يخرج العراق من هذه الحرب سليما معافى كما ادعى اعلام نظامه السابق، حيث غرق في ديون مازالت تسدد لكثير من دول العالم مما تسبب له ايضا بانهيار اقتصادي على اثر تقلص صادراته النفطية بعد ان كان الدينار العراقي يعادل اكثر من ثلاثة دولارات امريكية. اما من الجانب العسكري، فقد تحول الجيش العراقي الذي كان يعتبر خامس جيوش العالم، الى جيش تعب هالك، لايمتلك من المعدات مايكفي لحماية سيادته، وعلى المستوى الاجتماعي، احدثت تصرفات هذا النظام طيلة سنوات الحرب، شرخا اجتماعيا كبيرا وعميقا لم تستطع حكومات مابعد 2003 ان تعالجه، ولم يسمع في داخل المجتمع الا صوت الاستقواء والتجسر ولغة القوي والضعيف والاقلية والاغلبية، ومزاج الحاكم بما يحكم ويأمر هو وعائلته وزمرته ومن يواليهم حتى انتهاء فترة الولاء باشارة منهم.
في مثل هذا اليوم، خرجت ايران والعراق مهزومتين مدمرتين، فإن دفعت ايران ثمن مطامع مازالت تحلم بها في المنطقة، العراق ايضا دفع ثمن فسحه المجال لها لتطالب بما منحها له رئيس نظامها جراء اتفاقية اصر عليها،ثم مزقها امام عدسات الكاميرات في حركة استفزازية ضحك بها على عقول المصفقين لصورة الهيبة الزائفة.
خرج العراق من هذه الحرب التي بدأها لعدم تنازله عن شط العرب،بخسارته لمنطقة (عربستان) التي خضعت ومازالت للسيطرة الايرانية، ومع ذلك، ابتسم الجميع ابتسامة مشوبة بالحذر لمستقبل تمنوا ان يكون افضل من ماض ضيع شباب جيل كامل بين اصوات المدافع والقنابل والقصف واهانات الضباط ومذلة الاسر لمن عادوا وهم سالمين (على الاقل جسديا)، ليصدموا مرة اخرى بكارثة اوقفت كل اشكال التقدم بالعراق، حيث كان الحصول على ساعات اضافية من الكهرباء انجازا، والحصول على قليل من الدواء يكلف بيع اعضاء من الجسد، وعادت الحياة الى بدائية ماقبل القرون الوسطى ليضمن من انتصر في بقائه على الكرسي، اثنا عشر اعواما اخريات في بقائه على ذات الكرسي.
نعم، لم ينتصر العراق، صدام فقط هو من انتصر، ببقائه كزعيم اوحد لايجادل ولايناقش وخصوصا بعد ان صفى كل حساباته السياسية طيلة الاعوام الثمانية وماتلاها من عام هدوء ماقبل عاصفة احتلال الكويت ولم يبق له اي عدو لا في الحاشية ولا بين افراد الشعب، ومن لم يتفق معه كان اما صامتا او مغتربا ومعارضا سياسيا في المنفى لم يقدم صورة افضل منه بعد سقوطه.
نعم، لم يكن نصرا، كانت نكسة بكل المعايير والمقاييس، خسر العراق فيها طاقاته البشرية والاقتصادية ونسيجه المجتمعي، وان كان البعض من مستذكري هذا اليوم يتفاخر بما يسميه انتصارا، فلينظر لما حدث وما اصاب العراق، وإن كان فرحا بما صدر عن المرشد السابق للثورة الاسلامية بأن الموافقة على وفق اطلاق النار كان بمثابة تجرع كأس السم، فليعلم جيدا ان السم الحقيقي تجرعه اكثر من 16 مليون عراقي شكلوا عدد سكان هذه الدولة في عام 1988، ليعيشوا في دولة حكمتها اجندات قطع اللسان والآذان والأيدي، فقط ليبقى ويعيش حاكمهم الاوحد.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له أي علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.


.jpg&w=3840&q=75)
.jpg&w=3840&q=75)