إنّ
قضية عودة مهجّري سري كانيه (رأس العين) هي قضية إنسانية وحقوقية تمسّ حياة آلاف
الأشخاص الذين حُرموا من مدينتهم وبيوتهم وأراضيهم لسنوات طويلة، ومن هنا فإنّ
التعامل مع هذه القضية ينبغي أن ينطلق من حقوق الإنسان وكرامته، بعيداً عن
الحسابات السياسية والإعلامية الضيّقة.
إنّ
عودة المهجّرين إلى مدينتهم وريفها، في ظلّ الدمار الواسع وغياب البُنى التحتية
الأساسية، تطرح تساؤلات جدّية حول مفهوم العودة الآمنة والكريمة، فكيف يمكن الحديث
عن عودة مستقرّة في ظلّ غياب المياه والكهرباء والمساكن والخدمات الصحية
والتعليمية؟ وكيف يُطلب من العائلات العودة إلى مناطق لا تتوفر فيها أبسط مقومات
الحياة؟
العودة
إلى الأرض لا تعني بالضرورة العودة إلى الحياة، فالعائلة التي تصل إلى مدينتها
لتجد منزلها مدمّراً وطرقها مغلقة وخدماتها غائبة، تواجه شكلاً آخر من المعاناة،
قد لا يقلّ قسوة عن تجربة التهجير والنزوح نفسها.
لا
تقتصر تداعيات غياب الخدمات على الظروف المعيشية اليومية، بل تمتد لتطال مستقبل
الأطفال وحقهم في التعليم، فقد توقفت العملية التعليمية في مخيّمات: الطلائع
والتوينة وواشوكاني، حيث كان نحو ستة آلاف طالب يتلقّون تعليمهم، ليجد هؤلاء
الأطفال أنفسهم اليوم محرومين من الدراسة، سواء كانوا من العائدين الذين غادروا
المخيمات أو من الذين لا يزالون يقيمون فيها.
غياب
أي عملية تعليمية داخل المخيمات هو انقطاع مؤقت عن مقاعد الدراسة، لكنّه في الوقت
ذاته يهدّد المستقبل الدراسي لجيل كامل، ويترك آثاراً سلبية قد تمتد لسنوات طويلة،
فكيف يمكن الحديث عن مستقبل أفضل واستقرار حقيقي، بينما يُحرم الأطفال من حقهم
الأساسي في التعليم، وتُترك أحلامهم ومستقبلهم معلّقين؟
ولا
تقتصر مسؤولية الجهات المعنية بملف العودة على الجوانب الخدمية والمعيشية، بل تمتد
لتشمل المسار الاجتماعي، الذي لا يقلّ أهمية عن إعادة الإعمار، فمن الضروري أن
يعمل الفريق الرئاسي والأطراف المعنية على ردم الهوة التي قد تكون نشأت بين أبناء
المدينة، سواء بين من بقوا فيها خلال سنوات التهجير ومن اضطروا إلى مغادرتها، أو
نتيجة اختلاف المواقف والتوجهات السياسية.
في
هذا الإطار، تبرز الحاجة إلى تشكيل مجلس للسلم الأهلي في سري كانيه، يضم شخصيات
اجتماعية وممثلين عن مختلف مكونات المدينة، ويكون هدفه تقريب وجهات النظر، ومعالجة
الخلافات، وتعزيز ثقافة الحوار والتسامح، وترسيخ قيم التعايش والاستقرار، كما
ينبغي أن يعمل هذا المجلس على منع نشوء أي تمييز أو تفاوت اجتماعي بين المهجّرين
العائدين وأبناء المدينة الذين بقوا فيها، وأن يسهم في تجاوز الخلافات وتضميد
الجراح الاجتماعية، بما يضمن عودة الجميع إلى مجتمع متماسك، تسوده روح التضامن
والانتماء المشترك، فإعادة بناء سري كانيه لا تكتمل بإعمار الحجر وحده، بل تتطلب
أيضاً إعادة بناء الثقة بين أبنائها.
وفي
هذا السياق، يتحمل الفريق الرئاسي والمسؤولون المعنيون بملف المهجّرين مسؤولية
إنسانية وأخلاقية مباشرة، تقتضي الانتقال من التصريحات والوعود إلى خطوات عملية
وملموسة. كما أن جهود المنظمات الإنسانية، على أهميتها، لا يمكن أن تكون بديلاً عن
مسؤولية الجهات الرسمية في توفير مقومات العودة والاستقرار.
المطلوب
اليوم هو تسهيل الوصول إلى سري كانيه، لكن الأهم من ذلك هو توفير شروط الحياة الكريمة
فيها، من خلال فتح الطرق، وإعادة تفعيل المؤسسات الرسمية والخدمية، وتأمين المياه
والكهرباء والرعاية الصحية والتعليم، وتقديم المساعدات العاجلة، ووضع خطة حقيقية
لإعادة الإعمار وتعويض المتضررين.
كما
ينبغي أن تكون العودة طوعية وآمنة وكريمة، وأن تُصان حقوق المهجّرين في ممتلكاتهم
وأراضيهم، بعيداً عن أي ضغوط أو إجراءات تمسّ حقوقهم الأساسية.
لقد
عانت سري كانيه وأهلها سنوات طويلة من التهجير والنزوح والدمار، وليس من المقبول
أن تتحول العودة إلى محطة جديدة من المعاناة، فالعودة الحقيقية هي المترافقة مع
القدرة على العيش بأمان واستقرار وكرامة.
إنّ
مسؤولية إعادة مهجّري سري كانيه واجب إنساني وأخلاقي وحقوقي لا يحتمل التأجيل فوق
السنوات السبع العجاف التي عاشها الناس في مخيّمات متهالكة ومراكز إيواء، تحمّل
فيها الناس صنوف العذاب النفسي والجسدي والمادي.
سري
كانيه مدينة منكوبة، لن تستطيع تجاوز هذا الخراب إلا بعودة أبنائها، واستعادة
رونقها كسوريا صُغرى تحمل طيف التنوّع وإرثه الذي يتحتم علينا جميعا حمايته.



