أتوقف أمام باب بيت تراثي مميز في أحد أزقة أحياء مدينة أصيلة العتيقة التي تسترخي على ضفاف المحيط الأطلسي، يمر شاب من أبناء المدينة ليخبرني متطوعاً أنه بيت "سيدي محمد بن عيسى رحمه الله". فالجميع هنا يدينون بالفضل الكبير لهذه الشخصية الفكرية والثقافية والسياسية المغربية ويفتخرون به لأنه، بالإضافة إلى مميزاته الفكرية والاجتماعية، وضع اسم مدينتهم في واجهة الأحداث الفكرية عربياً وعالمياً من خلال تأسيسه لمنتدى أصيلة الفكري والذي تُعقد هذه الأيام دورته الخريفية الـ 47.
ليس فقط أهالي أصيلة والمغاربة عامة يدينون بالفضل لابن عيسى، بل حشود غفيرة من المفكرين والكتاب والشعراء والفنانين والسياسيين العرب والغربيين لهذا الرجل الذي جمعهم في منتدى بمدينة تاريخية هي أسطورة من الجمال المعماري والفني والمتشحة بالأزرق والأبيض، ليتبادلوا الأفكار والآراء التي تهم المغرب والعالمين العربي والدولي في حاضره ومستقبله ويجدوا الحلول لأمور مستعصية ببحوث أكاديمية دون أن يهدروا الوقت بالخطب الإنشائية ذات المضامين الدعائية كما تفعل غالبية، إن لم تكن جميع الملتقيات العربية التي تحولت إلى تجمعات إعلانية للأنظمة السياسية والشخوص الحاكمة.
ابن أصيلة، الكاتب والباحث المغربي حاتم البطيوي، رئيس مؤسسة منتدى أصيلة والتلميذ المخلص والمقرب للراحل محمد بن عيسى، والذي وصفه الجميع هنا بأنه "خير خلف لخير سلف"، قال متحدثاً لرووداو، إخلاصاً لأستاذه مؤسس منتدى أصيلة: "إن انعقاد موسم أصيلة الثقافي الدولي للمرة الثانية بعد غياب مؤسسه الراحل محمد بن عيسى، يؤكد المكانة التي حفرها الموسم في المشهد الثقافي المغربي والعربي، وكذلك على المستوى الدولي، طيلة ما يقارب خمسة عقود، كما يؤكد قدرة المؤسسة على مواصلة هذا المشروع الثقافي بنفس الزخم وبالرؤية ذاتها، القائمة على اعتبار الثقافة فعلاً من أفعال التنمية، لا مجرد نشاط موازٍ لها"، مضيفاً أن "الراحل الأستاذ محمد بن عيسى لم يؤسس تظاهرة ثقافية موسمية فحسب، وإنما أسس تقليداً ثقافياً يقوم على الحوار والانفتاح والتعدد، وجعل من أصيلة فضاءً يلتقي فيه السياسي بالمثقف، والمفكر بالفنان، والأديب بالإعلامي، وتتحول فيه المدينة إلى ورشة مفتوحة للنقاش والإبداع والتفاعل بين تجارب وثقافات مختلفة".
في قاعتي مكتبة الأمير بندر بن سلطان وسط مدينة أصيلة، وفي مركز الحسن الثاني للملتقيات الدولية في المدينة القديمة، حيث تُعقد الجلسات والندوات الفكرية والثقافية والسياسية والموسيقية وأقيمت المعارض التشكيلية في رواق محمد بن عيسى، أترك لخيالي تصور مئات الشعراء والمفكرين والكتاب الذين كانوا قد جلسوا هنا يتحاورون ويتساجلون، يتفقون ويختلفون بروح حضارية منفتحة.. وفي الدروب الضيقة لأزقة المدينة العتيقة حيث تحولت جدرانها إلى معارض تشكيلية في الهواء الطلق، أستذكر خطى من ساروا هنا.. ومن يسيرون اليوم وسيسيرون على خطى المفكر والسياسي المغربي الراحل محمد بن عيسى وضيوف منتدى أصيلة وعشرات الآلاف من زوار المدينة من جميع أنحاء العالم والذين قادتهم خريطة المدينة التاريخية للتعرف على واحدة من علامات مدن المغرب الحضارية. ولنا حديث متصل عن المدينة ومنتدى أصيلة.



