عمر طويل وكوردستان تعيش فوق صفيح ساخن لم يبرد أبداً رغم تغير الفصول وحتى في عز مواسم برد وثلوج الشتاء المتعاقبة على الإقليم طيلة عقود ولا تزال. لم تكن هناك هدنة ولا راحة لنلتقط أنفاسنا أو لننال قسطاً من الراحة، ولكننا رغم ذلك بنينا وعمرنا وأصبحنا قبلة للجوار والإقليم والعالم، من خلال عملية توازنات صعبة وجادة يشوبها الكثير من الحذر وسط إقليم مضطرب ويمور من حولنا مع ظروف عالمية متغيرة لا تدع مساحة كبيرة لإلتقاط الأنفاس أو الفهم أو القياس.
لم تكن هناك فجوة زمنية لتريح جيلاً من الأجيال المتعاقبة من الكورد، وكأنما يأبى العالم أن يحن أو يمن علينا بمندوحة من عمر الزمن لكي يتشكل جيل واحد من دون أن يكون حاضراً ليعيش ويتعايش ويشاهد ويشارك وبمعاناة فصولاً من مسرحية المأساة المستمرة وكانها ملهاة أزلية. إنهم الكورد أيها العالم الذي يأبى عليهم إلا أن يعيشوا فوق صفيح ساخن.
حتى الجيل الحاضر والذي ما زال يتشكل ويخطو ليرسم خطاه تأبون إلا أن تسقوه من طعم المر والحنظل الذي سقيتموه لأجيال قبله، فلا تزال مشاهد الدبابات الأمريكية والمليشيات التابعة لإيران وهي تهاجم مواقع قواتنا في الإقليم بعد الاستفتاء ماثلةً في أذهان الأطفال والشباب ومن مل الأعمار.
أيها الأمريكان اليوم تطلبون من الكورد قطع علاقاتهم مع إيران، أين كنتم بالأمس القريب حين قررنا الاستفتاء لأجل تحقيق حلم الاستقلال المشروع. لقد حاربتمونا ووقفتم ضدنا حفاظاً منكم على شكل الديمقراطية المزيفة التي ينعم بها العراق، والتي أتيتم معها بوعود ومبررات كاذبة ومزيفة أيضاً.
ألم تنحازوا للجانب الإيراني ودخلتم علينا بليل بعد الاستفتاء بأيام مع أذنابكم وأعوانكم وعملائكم الذين خانونا وخانوا أنفسهم قبل أن يخونوا الوطن والقضية. لقد تكالبتم علينا وأَلَّبتُم العالم من ورائكم ضدنا حين قررنا الاستفتاء وتقرير المصير.
هل نسيتم ذاك الاستفتاء الذي سيظل تاجاً فوق رؤوس كل كوردي شريف، والذي أذهل العالم حين خرج الكورد كلهم ودون استثناء وصوتوا كلهم ودون استثناء بنعم ناصعة بيضاء بلون ضمائرهم لأنهم وبكل بساطة أناس بسطاء اختاروا بتجرد وبضمير إنساني حي. خرجوا ليرسموا لوحة بل بانوراما إنسانية راقية زاهية بألوان الحياة للتعبير عن إرادتهم وليمارسوا أبسط مظاهر إنسانيتهم للعيش بحرية وسلام.
نعم على صفيح ساخن كنا وعشنا ولا يزال يحوطنا عمق عربي تربطنا به أواصر ربما تفوق روابط الدم، رغم أنه سبب محنتنا عبر عقود، فكل الحكومات المتعاقية وعبر أجيال عديدة كانت تنظر إلينا وتعاملنا دوماً بعين الريبة والتوجس والحذر وتعاملنا كما تعامل الأعداء، ولا تزال كذلك كل الحكومات ومنذ 2003 ودون استثناء يسارية كانت أم يمينية أم مذهبية أم ذي صبغة دينية أو تحت ولاية المرجعية، وهي بدعة جديدة لم نألفها في تاريخ العراق الحديث والمعاصر ولا في أي بلد عربي أو إسلامي آخر ومنذ قرن من الزمان " فيما عدا إيران".
وهو الشيء الوحيد الذي صدق فيه بوش الصغير حين قال سنرجعهم إلى عصور الظلام، وقد كان، ولكن شعب كوردستان أبى إلا أن ينتصر ويعيش ولا يرضى سوى التقدم والسير إلى الأمام.
اليوم تطلب منا أمريكا أن نبادر بمعاداة إيران وبلا مقابل. لقد أوقفوا برامج التدريب العسكري ويهددون بقطع بعض أو كل أوجه التعاون المختلفة. الإقليم يعيش حالة من الموازنات والتفاهمات وعلى كل الجبهات وفي كل الاتجاهات ورغم كل الاختراقات الإيرانية المعروفة من بعض الأحزاب والكتل والأشخاص، لكن الكورد ما زلوا رغم ذلك أسياد قرارهم ويحملون أمانة ومسؤولية النهضة والبناء. بناء الإنسان قبل كل شيء.
لو نعلم على وجه اليقين أي لعبة جديدة تلعبونها ترومون من خلالها قذف المنطقة إلى أتون جحيم سيأكل الأخضر واليابس في مخاطرة سياسية أساسها المصالح والعوائد الاقتصادية لن ينجو منها أحد إذا اشتعلت الحرب التي تهددون بها.
نحن نعلم وقبل غيرنا أنكم لا تريدون إسقاط النظام الإيراني ولكن تريدون إجبارها على التنازل عن بعض مصالحها في المنطقة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً والتي تجاوزت فيها خطوطاً مرسومة ومتفق عليها بينكم سلفاً ومنذ 2003، لأنها باتت تؤثر على مصالحكم في المستقبل الذي رسمتموه للمنطقة.
لا يخفى على أحد أنكم تستخدمون إيران كبعبع أمثل استخدام، وكفزاعة لتخويف وحلب الدول الغنية في الإقليم من حولنا. فإيران هي دجاجتكم الذهبية وهي رمانة الميزان في المنطقة رغم كل الشعارات الثورية والعنترية الزائفة التي تضحكون بها على عقول الجهال.
أنتم تعلمون جيداً من خلال مؤسساتكم البحثية وأجهزة الرصد لديكم أن عقوباتكم القاسية على إيران باتت تهدد النظام بشكل كبير، وما تجييش الجيوش سوى مسرحية لجلب الآخرين وجر إيران للمفاوضات على أسس جديدة، وسوف تأخذون من إيران ومن غيرها ما تريدون دون حرب أو قتال.
لا لن تكون كوردستان ماشة النار "ملقط الجمر" بأيديكم للضغط على إيران، فنحن ومنذ عقدين من الزمان نسير فوق درب متعرج ومليء بالمطبات التي سببتها مصالحكم وعداواتكم التي لا تستقر على حال. لن نرتضي العيش على صفيح ساخن سيأكل الأخضر واليابس بسبب أطماعكم وأهدافكم وسبلكم الملتوية التي لا نعرف لها وجهاً حقيقياً، بل هو عدد من الوجوه والأقنعة من الصعب التمييز بينها أو تصديق أي منها، فكل يوم أنتم على حال غير الحال.
حين يقاطع العراق إيران، سنكون معه لأننا حسب مفهومكم جزء من الصورة الديمقراطية للعراق الديمقراطي الموحد، أم أنكم نسيتم موقفكم المخزي إبان الاستفتاء، فلا زال الجرح لم يبرد والنار ما زالت جذوتها مشتعلة تحت الرماد، ولكن للظروف أحكام لا بد من مراعاتها حتى تمر العاصفة، وما أكثر عواصفكم هذه الأيام.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له أي علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.



