عنوان المقال مقتبس من قصيدة قديمة تحولت لاهازيج تغنى بها الكثيرون، لكن تاثيرها كان سيئا وقاسيا جدا على الكورد، لأن هذه الجملة تكررت كثيرا في ستينيات القرن الماضي عندما هوجمت قراهم وبيوتهم في كركوك بعد ان فتحت الحكومة العراقية ابواب المحافظة على مصراعيها لتعريبها استعدادا لتغيير ديموغرافي شامل بعد ان اثبت الأحصاء السكاني لعام 1957 بأن نسبة الكورد في هذه المدينة هي الاكبر والكورد هم اكثر عددا فيها.
وما ورد مؤخرا من الاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي حول مايحصل في كركوك، ذكرنا بنفس السيناريو والذي تكرر ايضا في الكويت بعد احتلالها في عام 1990، حيث اصبحت البيوت والمحلات ومراكز التسوق عرضة للسرقة والاستيلاء من قبل جنود جيش صدام (الخارج لتوه من حرب دامت ثمانية اعوام) والذي كان يتباهى بكونه (خامس اكبر جيش في العالم)، وآلاف من المواطنين الذين فتحت لهم السلطات العراقية آنذاك الطريق لدخول الكويت وسرقة مايمكن سرقته بكل حقد وغل لم يشهده تاريخ الأنسانية على الاطلاق.
كما تعيد هذه التصرفات ذاكرة التاريخ الى ماقبل اكثر من سبعة عقود حيث هاجم الآلاف من المواطنين العراقيين بيوت واسواق اليهود (الذين كانوا عراقيين ايضا) ومجمعاتهم التجارية ومحال الصيرفة في حدث سمي بـ(فرهود اليهود) تحت مرآى ومسمع من الحكومة العراقية والتي كانت وكأنها مستمتعة بما يحصل بل ومتواطئة في دولة كانت في ذلك الحين فتية وتحمل شعارات تؤكد على الوحدة والمواطنة وعدم التفرقة .
وفي الحديث حول هذا الموضوع، لاضير في استذكار ما اراد رفعت الأسد الشقيق الاصغر للرئيس السوري السابق حافظ الأسد فعله اثناء تخطيطه للأنقلاب على شقيقه في عام 1984 عندما كان وزيرا للدفاع، حيث اعتمد على عصابات علي عيد والذي كان يرأس الحزب الديمقراطي اللبناني العربي المؤيد والموالي لحزب البعث السوري خلال الحرب اللبنانية، واتفق معه على نهب وسرقة محلات الذهب والمجوهرات في دمشق بعد نجاح محاولته الانقلابية التي باءت بالفشل وتسببت في ابعاده تماما عن سوريا حتى يومنا هذا، هذا الاستذكار كان فقط لتبيان التشابه في التصرفات والثقافة المريضة التي اتبعها البعث الحاكم في العراق وسوريا والأنظمة التي تحكمت بسياسة العراق ومصير مواطنيه وزرعت في نفوسهم تقاليد وصفات ستبقى دوما متلازمة لهم.
لقد بين الأحصاء السكاني العام الذي اجري في عام 1957 في العراق وفي السنة الأخيرة للحكم الملكي بأن عدد الكورد في هذه المحافظة البالغ تعدادها 388,829 نسمة في ذلك الحين قد بلغ 187,593نسمة مقابل 109,620 نسمة للعرب و 83,371 للتركمان، وهذا ما اقلق الحكومة العراقية مما ادى بها الى تنفيذ خطة محكمة لتعريب المنطقة استعدادا للأحصاء السكاني القادم اي بعد عقدين من هذا التعداد حيث ضمت ناحية الزاب والمناطق العربية القريبة من محافظة نينوى وصلاح الدين إلى محافظة كركوك فازدادت اعداد العرب في المحافظة وضمت المناطق الكوردية من محافظة كركوك إلى محافظة السليمانية ومحافظة أربيل وضمت مناطق سليمان بيك وينكجة والطوز الى محافظة صلاح الدين، هذا بالاضافة الى برنامج واسع النطاق للترحيل بحجة ماكان يسمى بتصحيح القومية وتنظيم السكان وماشابه.
وما يثبت هذا الكلام، ماحصل ويحصل في كركوك والقرى المحيطة بها منذ جريمة السادس عشر من اكتوبر لعام 2017 وحتى الآن في ظل وجود حكومة ديمقراطية تتشكل كل اربعة اعوام عن طريق الانتخابات، هذه الحكومة وقفت وماتزال مكتوفة الأيدي امام تصرفات شابهت ماحصل اثناء عمليات الأنفال السيئة الصيت بالاستيلاء على بيوت الكورد وتجريفها وحرق البساتين وتخريب كل مايمت للقومية الكوردية بصلة في مناطق مختلفة من كوردستان طيلة فترة الحرب العراقية الايرانية (هذا دون التطرق الى آلاف من الشهداء والمفقودين)، فقد تكرر هذا الموقف في قريبة بلكانة التابعة أداريا لمحافظة كركوك بعد قدوم اعداد كبيرة من العرب الى هذه المنطقة والاستيلاء على بيوت الكورد بأمر وتوجيه من شخصي من قبل راكان الجبوري النائب الحالي في مجلس النواب والمفروض على كركوك كمحافظ بالأمر الواقع .
وعلى الرغم من التطمينات من الجانب العراقي بالسيطرة على هذه التصرفات (والتي لم تكن لتقال لولا تدخل الرئيس مسعود بارزاني)، الا ان الصورة التي تصل من كركوك تثبت حقيقة لايمكن انكارها، هذه الحقيقة تقول وتؤكد بأن العقلية التسلطية للحكومة العراقية لم ولن تتغير، حيث السرقات المتكررة لبيوت الكورد جهارا نهارا، ونهب محاصيلهم الزراعية باستغلال غيابهم عن اراضيهم وبساتينهم، دخول قوات من الجيش لبيوت الكورد في هذه المناطق والتحقيق معهم على غرار ماكان يحصل في زمن النظام السابق ، فأن بررت الحكومة التي مازالت تتجاهل خارطة الطريق الدستورية التي حددت مراحل تقرير مصير كركوك في اطار المادة 140 من الدستور العراقي ، بأن هذه المسائل ليست الا لحفظ القانون، فمن حقنا ان نسأل : اي قانون يحفظ بسرقة المحاصيل وسلب البيوت والتهديد والاجبار على ترك القرى واخلائها من سكانها؟ وأي قانون لايحمي المواطن في بيته ويجبره على ترك قريته او مدينته والهجرة الى المجهول دون الاكتراث لحقوق الملكية والتي هي من ابسط حقوق الانسان؟
وهل يعقل ان تتجاهل وزارة الدفاع العراقي الاتفاقات الاخيرة مخاطر ارهابيي داعش في هذه المنطقة والتي ادت الى تشكيل لجان عسكرية بينها وبين وزارة البيشمركة للتنسيق والتعاون وتمشيط المنطقة استعدادا لمواجهة اي خطر من قبل الارهابيين والتمهيد لتشكيل قوة مشتركة في هذه المناطق بين الجيش العراقي والبيشمركة، لتأتي وتسهل الطريق للأرهابيين للدخول اليها واحتلالها وطرد الكورد منها؟ الا تتشابه هذه التصرفات مع ذات الاهداف التي يحملها الدواعش ضد الكورد وكل من له اية صلة بالأنسانية؟
لكن هذا الموضوع يقودنا الى سؤال هو ذاته الجواب على ماذكرناه، الا وهو: اين وزارة الدفاع اصلا؟ ولماذا تسكت الحكومة على عدم وجود وزراء للداخلية والدفاع والبلد احوج اليها اكثر من اية مؤسسة اخرى؟ وأن افترضنا بأن حرق المحاصيل الزراعية والتي اعلن داعش مسؤوليته عنها صحيحة، اين القوات التي كانت قد وعدت بأن كركوك ستكون اكثر مدن العراق استقرارا بعد خيانة السادس عشر من اكتوبر؟اين الوعود التي اطلقت من قبل بغداد حول هذا الموضوع؟
مايحدث اليوم في كركوك في ظل وجود صراع حقيقي بين الولايات المتحدة الامريكية وايران وتهديدات صريحة باجتياحها عسكريا، لهو مؤشر خطير يهدد مستقبل هذه المدينة، ومستقبل الدستور العراقي الذي تشكل المادة 140 مادة اساسية منه، ويسهم في رفع ودرجة الروح العدائية بين مكونات كركوك وأن المزيد من التماطل من تنفيذ بنود هذه المادة، والتواطؤ مع الدواعش ومن يقلدهم في التصرف سيضع الحكومة امام مأزق كبير جدا يرجع الجميع للفترة المظلمة التي عاشها العراق ليثبت ايضا للجميع، بأن النظام وأن تغير، لكن الافكار لم تتغير ومازال الفكر الاستيلائي الغادر (حنا البدو وين العدو) حيا في نفوس الحاكم ومن يسيرون بأمر هذا الحاكم تحت مسميات وشعارات لم ولن تقود الا لمزيد من الهزائم.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له أي علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.



